زراعة القنب وعباد الشمس وصخور قلوية.. حل مبتكر للتخلص من 'الكيماويات الأبدية' في التربة
تقدم دراسة لجامعة ييل تقنية منخفضة التكلفة للمزارعين لتنظيف التربة من مركبات PFAS الضارة، باستخدام محاصيل ماصة وصخور قلوية ومعالجة حرارية، وقد تخفض التلوث إلى مستويات آمنة خلال عشر سنوات.
في عام 2020، صُدم الزوجان وينسلو ولورا روبنسون بعد شرائهما مزرعة في ولاية مين عندما علما أن مياه الصرف الصحي كانت تستخدم كسماد في تلك الأرض قبل عقود، وأن هذه الممارسة تركت وراءها مواد كيميائية تُعرف بـ'المواد الكيميائية الأبدية' التي ظلت عالقة في التربة.
تعد مركبات PFAS، المعروفة بـ'الكيماويات الأبدية'، من الملوثات المستعصية التي ترتبط بأمراض خطيرة وتوجد في التربة والمياه والغذاء.
أراضٍ زراعية أميركية ملوثة كيميائياً
برز مزارعو ولاية مين في طليعة من كشفوا عن هذه المشكلة التي تعاني منها الأراضي الزراعية في جميع أنحاء الولايات المتحدة؛ إذ استُخدمت الحمأة الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة على نطاق واسع في المزارع منذ سبعينيات القرن العشرين بهدف تحويلها بعيدا عن مكبات النفايات وتوفير سماد رخيص.
وتُباع هذه المواد أيضاً - تحت اسم «المواد الصلبة الحيوية» أو «biosolids» - في بعض متاجر مستلزمات الحدائق كسماد منزلي، وربما تكون أنت نفسك تستخدمها في حديقة منزلك دون أن تدري. غير أن مياه المجاري هذه قد تحتوي على مستويات عالية من مركبات «بيرفلورو ألكيل» و«بولي فلورو ألكيل» (PFAS)، وهي المواد التي تُلقب بـ«الكيميائيات الأبدية» لأنها لا تتحلل كما تنتقل من التربة إلى الغذاء. ورغم أن الآثار المترتبة على وجود هذه المركبات في الغذاء لم تُفهم بالكامل بعد، فإنها ارتبطت بأمراض الكبد والسرطان وأمراض أخرى.
البحث عن طريقة أقل تكلفة
في سياق معالجة هذه المواد الضارة، تقترح دراسة حديثة أجرتها جامعة ييل ونُشرت في دورية 'وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم' (PNAS) طريقة منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين من خلالها حل هذه المشكلة والمساهمة في الوقت نفسه في مكافحة تغير المناخ.
وتُعد الطرق الحالية لمعالجة التربة الملوثة بمركبات PFAS باهظة التكلفة للغاية - إذ قد تصل أحياناً إلى مليون دولار للفدان الواحد - وعادة ما تُستخدم فقط في مواقع محددة مثل المطارات أو القواعد العسكرية، كما أنها تتطلب إزالة التربة ونقلها؛ ومن ثم، فإن تنظيف ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية بهذه الطريقة ليس أمراً عملياً أو ممكناً.
قرر نوح بلانافسكي، أستاذ الكيمياء الجيولوجية في جامعة ييل والمتخصص في دراسة صحة التربة، العمل على هذه المشكلة بعد أن اطلع على تفاصيلها من المزارعين. ويقول بلانافسكي: «كان المزارعون يشعرون بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وشعروا بأنهم لا يحصلون على معلومات دقيقة، وأنهم يواجهون مشكلة هائلة بينما يتم تجاهلهم أو التلاعب بعقولهم وتضليلهم».
زراعة محاصيل تمتص السموم
اختبرت الدراسة نهجا بسيطا لمعالجة التربة الملوثة، يتمثل في زراعة محاصيل معروفة بقدرتها على امتصاص مركبات PFAS بسرعة، مثل القنب وعباد الشمس. ويضيف المزارعون أيضا صخورا قلوية مسحوقة إلى التربة لرفع مستوى الأس الهيدروجيني (pH)، مما يساعد النباتات على امتصاص كميات أكبر من المواد الكيميائية. وعند حصاد المحاصيل، تُعرَّض لدرجات حرارة عالية جدا في غياب الأكسجين، مما يؤدي إلى تفكيك مركبات PFAS.
يقول بلانافسكي: «على الرغم من أنها تُعرف بـ(المواد الكيميائية الأبدية) - نظراً لكونها مركبات شديدة الثبات والمتانة - فإنه يمكن تدميرها عند درجات حرارة مرتفعة، وهي حقيقة موثقة جيداً». وتنتج عن هذه العملية مادة «الفحم الحيوي» (biochar)، التي يمكن إعادتها إلى التربة للمساعدة في احتجاز المزيد من المركبات الأبدية.
خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن
ويُقدّر العلماء أن هذه الطريقة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن.
وثمة تحدٍ آخر يتمثل في أن مياه الصرف الصحي لا تزال تُستخدم في بعض المزارع في معظم الولايات. ولا عجب في شيوع استخدامها تاريخياً؛ إذ تقول لورا روبنسون، وهي مزارعة عضوية في ولاية مين شاركت في دراسة جامعة ييل: «بالكاد يغطي المزارعون نفقاتهم؛ فالزراعة لا تدر أرباحاً كبيرة. لذا، إذا عُرض عليك سماد مجاني لمساحات شاسعة من حقول القش، فمن الطبيعي أن تقبل به، خاصة وأن الجهات المعنية كانت تؤكد سلامته».
هل تكلفة عمليات المعالجة والتنقية معقولة؟
تتميز الطريقة التي يتبعها العلماء بأن تكلفتها أقل بكثير (بفارق هائل في التكلفة) مقارنة بالأساليب الأخرى المستخدمة لإزالة المواد الكيميائية الأبدية، كما أنها تنطوي على ميزة إضافية: إذ تساهم إضافة الصخور المسحوقة إلى التربة في احتجاز ثاني أكسيد الكربون.
وتجدر الإشارة إلى أن «بلانافسكي» يجري أبحاثاً أيضاً حول هذا النوع من إزالة الكربون - المعروف باسم «التجوية الصخرية المعززة» - كما شارك في تأسيس شركة ناشئة تدعى «ليثوس» Lithos تعمل بشكل منفصل على استخدام غبار الصخور في مزارع أخرى.
ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساهم عائدات بيع أرصدة إزالة الكربون في تمويل عمليات معالجة التربة من المواد الأبدية. ويقول بلانافسكي: «نحن بحاجة إلى إزالة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون لتحقيق أهدافنا المناخية. وهناك أيضاً إجماع علمي على أن وجود مواد PFAS في المنظومة الغذائية يثير مخاوف صحية حقيقية على نطاق عام واسع... وأعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن التمويل المخصص لهذين الأمرين غير كافٍ».
* مجلة «فاست كومباني».
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
ويواجه المزارعون تحديات مالية هائلة في تنظيف أراضيهم من هذه الملوثات، إذ تصل تكلفة الطرق الحالية إلى مليون دولار للفدان الواحد. وقد أظهرت الدراسة أن الأسلوب الجديد قد يكون فعالا من حيث التكلفة مقارنة بالأساليب التقليدية التي تتطلب إزالة التربة ونقلها. لكن لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتقييم الجدوى على نطاق واسع. كما أن الاستمرار في استخدام الحمأة كسماد يشكل تحديا تنظيميا وصحيا، خاصة وأن هذه الممارسة لا تزال سارية في معظم الولايات.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.