"النفاذ إلى البحر الأحمر": فصل جديد في صراع مصر وإثيوبيا
يتزايد صراع النفوذ في القرن الأفريقي بين مصر وإثيوبيا، فبعد أن شهدت العلاقات بين البلدين توتراً كبيراً بسبب سد النهضة الإثيوبي، انتقل الصراع من مياه النيل إلى البحر الأحمر.
"النفاذ إلى البحر الأحمر": فصل جديد في صراع مصر وإثيوبيا

Article Information
- Author, محمود النجارRole, بي بي سي نيوز عربي - القاهرة
- Published 3 يونيو/ حزيران 2026آخر تحديث قبل ساعة واحدة
- مدة القراءة: 5 دقائق
شهدت القاهرة أمس الأحد جولة من اللقاءات جمعت وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، ووزيري خارجية الصومال وإريتريا عبدي علي وعثمان صالح.
تأتي هذه الاجتماعات في ظل توتر متصاعد بين مصر وإثيوبيا حول ملفات متعددة أبرزها سد النهضة وسباق النفوذ في منطقة القرن الإفريقي.
وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، إن الاجتماعات جاءت في إطار "إرساء السلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي"، باعتبارها "امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري".
وشدد المجتمعون، وفق البيان، على أهمية احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وأكدوا أن مسؤولية أمن البحر الأحمر تقع حصراً على الدول المطلة عليه، نافين أي دور لأطراف لا تطل عليه.
كما شدد الوزير عبد العاطي على أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي المنظمة لاستخدام الموارد المائية العابرة للحدود، بما يحقق مصالح جميع دول حوض النيل، مجدداً رفض مصر للإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، ومؤكداً أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية بالنسبة للقاهرة.
وجاءت هذه الاجتماعات على خلفية تصاعد التنافس على النفوذ والنفاذ إلى البحر الأحمر في منطقة القرن الإفريقي خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تبدو فيه المواجهة بين مصر وإثيوبيا قد تجاوزت الخلافات التقليدية المرتبطة بمياه النيل وسد النهضة، لتشمل ملفات أوسع تتعلق بالموانئ والممرات البحرية وترتيبات الأمن الإقليمي.
وقبل نحو شهرين، اتهمت أديس أبابا القاهرة بالسعي لإعاقة وصولها إلى البحر الأحمر، وذلك بعد أيام من زيارة وزير الخارجية المصري إلى إريتريا حيث أكد أن إدارة البحر الأحمر وأمنه من اختصاص الدول المطلة عليه فقط.
ويعكس هذا التنافس المتصاعد في القرن الإفريقي رؤيتين متباينتين لمستقبل المنطقة؛ فبينما تسعى إثيوبيا إلى تعزيز حضورها البحري، كثفت مصر تحركاتها لتعزيز علاقاتها مع دول القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في منطقة تعاني بالفعل من أزمات ممتدة في السودان والصومال وإثيوبيا نفسها، بحسب باحثين ومحللين تحدثت إليهم بي بي سي.
من مياه النيل إلى البحر الأحمر
تمثل أزمة سد النهضة الإثيوبي، الذي وصفته الحكومة المصرية مؤخراً بـ"غير الشرعي"، الخلفية الأبرز للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا خلال العقد الماضي، إذ تخشى مصر، التي تستقبل معظم مياهها من الهضبة الإثيوبية، من تأثيرات السد على أمنها المائي، في حين تؤكد إثيوبيا أن المشروع ضروري لتلبية احتياجاتها التنموية وتوليد الكهرباء.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
الفائز الآخر بكأس العالم... أخو لامين يامال الصغير الذي أسر الإنترنت
ترامب يتوعد إيران بثمن "أكبر بكثير" بعد مقتل جنود أمريكيين، وطهران تعلن أنها في "حرب شاملة" مع واشنطن
استعراض ترامب نهاية مثالية لمونديال اتسم بالإسراف - في الغارديان
زيارة عون إلى واشنطن: ماذا يريد من ترامب؟ وهل كان الاستقبال "باهتاً"؟
ومع تزايد الحديث الإثيوبي عن ضرورة الحصول على منفذ بحري، انتقل التنافس تدريجياً إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية لعدد من القوى الإقليمية والدولية.
ويرى الباحث السوداني في الشؤون الأفريقية محمد تورشين أن هذا التحول يعكس امتداداً طبيعياً للخلافات بين البلدين، موضحاً أن إثيوبيا باتت أكثر وضوحاً في طرح فكرة الوصول إلى البحر الأحمر، ليس فقط للتخلص من وضع الدولة الحبيسة، بل لتعزيز دورها الاقتصادي والإقليمي.
ويضيف أن القاهرة تنظر إلى هذه التحركات باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع تمس توازنات القوة في المنطقة، خاصة مع ارتباط البحر الأحمر بحركة التجارة العالمية وقناة السويس.
إثيوبيا تفتتح رسمياً سدّ النهضة: إنجاز ضخم للطاقة أم بداية فصل جديد من النزاع مع دولتي المصب؟

أرض الصومال... ساحة التنافس الأحدث
تخطى البودكاست وواصل القراءة
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
تُعد "أرض الصومال" إحدى أبرز نقاط التوتر في هذا الملف، إذ أعلن الإقليم انفصاله من جانب واحد عن الصومال عام 1991، مع اعتراف دولي محدود للغاية.
وتفجرت الأزمة مطلع عام 2024 عندما وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع الإقليم تمنحها حق استخدام جزء من ساحله على البحر الأحمر وإقامة منشآت بحرية، مقابل ترتيبات مرتبطة بالتعاون السياسي والاقتصادي، وهو ما قوبل برفض من الحكومة الصومالية وعدد من الأطراف الإقليمية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أيمن شبانة أن موقف مصر لا يرتبط بمبدأ حصول إثيوبيا على منفذ بحري، بقدر ما يتعلق بطبيعة هذا المسار.
ويقول إن القاهرة لا تعترض على ترتيبات تتم مع حكومات معترف بها دولياً أو عبر موانئ قائمة مثل جيبوتي، لكنها تعتبر أن الاتفاق مع "أرض الصومال" يمس وحدة الأراضي الصومالية ويهدد الاستقرار الإقليمي.
ويضيف أن أي اضطراب في القرن الأفريقي ينعكس مباشرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بما لذلك من تداعيات على الأمن القومي المصري.
وتعتمد إثيوبيا حالياً بشكل رئيسي على ميناء جيبوتي الذي تمر عبره غالبية تجارتها الخارجية، إلى جانب ترتيبات اقتصادية مع عدد من الموانئ في المنطقة.
وخلال الأشهر الماضية، اكتسب الملف بُعداً إضافياً مع إعلان إسرائيل إقامة علاقات دبلوماسية مع "أرض الصومال"، إلى جانب تقارير عن افتتاح ممثلية للإقليم في القدس، ما أثار ردود فعل عربية وإسلامية.
كما ترتبط الإمارات بعلاقات اقتصادية واستثمارية مع الإقليم، في حين تدير شركة موانئ دبي العالمية ميناء بربرة ضمن مشاريع تطوير ممتدة منذ سنوات.
وفي المقابل، عززت دول أخرى حضورها داخل الصومال، حيث تدير تركيا قاعدة عسكرية كبيرة في مقديشو، بينما وقّعت السعودية اتفاقات تعاون مع الحكومة الصومالية، وزادت مصر مشاركتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي هناك.

أسمرة... جبهة أخرى للخلاف
يمثل الملف الإريتري بُعداً إضافياً للتنافس بين القاهرة وأديس أبابا، إذ أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد على موانئ الجوار.
ويرى تورشين أن التحركات المصرية في إريتريا والصومال تعكس ما يصفه بـ"التوتر المنضبط"، حيث تسعى الأطراف إلى تعزيز نفوذها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ويشير إلى أن مصر تعتبر استقرار إريتريا جزءاً من منظومة أمن البحر الأحمر، بينما ترى إثيوبيا أن الوصول إلى منفذ بحري يمثل ضرورة استراتيجية لتنميتها الاقتصادية.
وخلال زيارة إلى أسمرة، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على أن إدارة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة له، وهو ما اعتبرته أديس أبابا رفضاً لطموحاتها البحرية، متهمة القاهرة بمحاولة تطويقها وعرقلة وصولها إلى البحر.
ويقدم المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد قراءة مغايرة، إذ يرى أن التحركات المصرية تهدف إلى الحفاظ على توازنات القوة الإقليمية ومنع إثيوبيا من توسيع نفوذها.
ويؤكد أن بلاده تسعى إلى منفذ بحري عبر وسائل سلمية وبالتفاهم مع دول الجوار، رافضاً الاتهامات المتعلقة باستهداف وحدة الدول المجاورة.
وخلال الأسابيع الماضية، تحدثت تقارير إعلامية عن دور مصري في تسهيل اتصالات بين الولايات المتحدة وإريتريا، في إطار جهود تستهدف تخفيف التوترات بين الجانبين.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس رغبة القاهرة في تعزيز شبكة علاقاتها داخل القرن الأفريقي، في وقت تشهد المنطقة إعادة تشكيل مستمرة للتوازنات.
ويصف تورشين هذه المقاربة بأنها محاولة لبناء شبكة إقليمية متماسكة في مواجهة التحولات الجارية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويقول أستاذ العلوم السياسية أيمن شبانة إنه لا توجد تأكيدات رسمية على وساطة مصرية بين واشنطن وأسمرة، لكنه يرى أن القاهرة مؤهلة للعب هذا الدور، في ظل علاقاتها مع الطرفين ورغبتها في دعم استقرار الإقليم.
تعود الأزمة الرئيسية بين الولايات المتحدة وإريتريا إلى مشاركة القوات الإريترية في الحرب التي اندلعت بإقليم تيغراي الإثيوبي بين عامي 2020 و2022 إلى جانب الجيش الإثيوبي.
واتهمت واشنطن ومنظمات دولية القوات الإريترية بارتكاب انتهاكات واسعة خلال النزاع، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى فرض عقوبات على مسؤولين وكيانات إريترية عام 2021.
لكن التوتر بين البلدين أقدم من حرب تيغراي، إذ ظلت إريتريا لسنوات محل انتقادات أمريكية وغربية بسبب سجل حقوق الإنسان وغياب الانتخابات وقيودها على المعارضة والصحافة.
ويرى أيمن شبانة أن تصاعد التوترات يرتبط أيضاً باعتبارات داخلية داخل إثيوبيا، إذ قد يُستخدم الملف الخارجي، ومنه التوتر مع مصر، في تعزيز الموقع السياسي لرئيس الوزراء آبي أحمد في ظل تحديات داخلية معقدة.
أما الباحث محمد تورشين فيذهب إلى أن التنافس الحالي يعكس حالة أوسع من عدم الاستقرار في القرن الأفريقي، نتيجة تداخل النزاعات الداخلية في إثيوبيا وإريتريا والصومال، مع صراع إقليمي ودولي على الموانئ والممرات البحرية.
ويضيف أن المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر خلال الفترة المقبلة، في ظل تعقيد الأوضاع الداخلية في دول القرن الأفريقي، ما يجعل فرص التهدئة الشاملة محدودة على المدى القريب.
تخطى content وواصل القراءة
ضحكات متبادلة بين السيسي وآبي أحمد في خضم أزمة سد النهضة23 يونيو/ حزيران 2023
content نهاية
تخطَّ مقاطع قصيرة وتابع
مقاطع قصيرة
نهاية مقاطع قصيرة
سد النهضة: حكاية صراع تاريخي في أقل من 5 دقائق
وبينما تواصل مصر التحرك دبلوماسياً لتعزيز موقفها في المنطقة، تبدو إثيوبيا مصممة على تحقيق طموحاتها البحرية، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي في القرن الإفريقي. ومع استمرار الأزمات في السودان والصومال، تبقى المنطقة عرضة لتغيرات جيوسياسية قد تعيد رسم خريطة التحالفات. ومن المرتقب أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التحركات في هذا الملف الحساس.
المصدر الأصلي: BBC عربي


















التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.