طرح عشرات المعارضين الجزائريين في المهجر مطالب محددة تتعلق بضمانات حقيقية تحميهم من الملاحقة، وذلك في أول رد على دعوة الرئيس عبد المجيد تبون التي وعد فيها بعدم التعرض لهم شرط الالتزام بحدود النقد المتفق عليها.

تأتي هذه الدعوة في سياق توترات بين الجزائر ومعارضين في الخارج، خاصة في فرنسا وكندا، حيث تطالب السلطات بتسليمهم لكن بلدان الإقامة ترفض.

الرئيس تبون خلال لقائه بالمغتربين الجزائريين في ألمانيا 16 يوليو الحالي (الرئاسة)

خلال زيارته إلى ألمانيا في 16 يوليو الحالي، قال تبون لمغتربين جزائريين إن المعارضين بالخارج مرحب بهم في وطنهم، داعيا إياهم إلى تقديم أفكار وبدائل عملية تسهم في التقدم الديمقراطي، لكنه شدد على أن النقد يجب أن يراعي التقاليد والقيم الوطنية ولا ينزلق إلى التجريح والكراهية.

رهان العودة وتوجس الاعتقال

لم يُعرَف سبب اختيار تبون ألمانيا لإطلاق خطاب مهادن تجاه المعارضين، علماً أن أكثرهم عدداً وأشهرهم يوجد في فرنسا وكندا وبريطانيا، وبعضهم تصرّ السلطات الجزائرية على تسلمهم في حين ترفض بلدان الإقامة ترحيلهم؛ بحجة «عدم توفر شروط محاكمة عادلة» في الجزائر. ومن أشهر هؤلاء اليوتيوبر أمير بوخرص، الذي يمثل ملفه أحد محاور التوتر مع باريس، وضابط المخابرات سابقاً هشام عبود، والدبلوماسي السابق محمد العربي زيتوت.

اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص)

ورداً على هذه الدعوة، نشر 53 ناشطاً معارضاً، الأربعاء، عريضة بحساباتهم بالإعلام الاجتماعي، تحمل أسماءهم وأماكن إقامتهم، مؤكدين فيها رغبتهم في الدخول إلى الجزائر، لكنهم أظهروا تخوفات من التعرض للاعتقال.

نصت العريضة على أن العودة إلى الجزائر حق أساسي، لكنها قد تعني التعرض للاعتقال أو الملاحقات بسبب المواقف السياسية، وأضافت أن الموقعين ينتظرون ترجمة التصريحات الرئاسية إلى إجراءات عملية.

حكيم عداد (يمين) معارض بالخارج مع المعارض الشهير في الداخل فتحي غراس (حساب عداد الخاص)

وتتجسد هذه الأفعال، حسب النشطاء، في «ضمان حق حرية التنقل للجزائريين في الخارج دون غموض، وذلك بإنهاء التعطيل الإداري لإصدار وثائق السفر، وإلغاء قرارات المنع غير القانونية من دخول البلاد أو مغادرتها، الصادرة بعيداً عن السلطة القضائية ولآجال تعسفية». كما طالبوا أيضاً بـ«التخلي عن الممارسات القاضية بإرغام بعض الناشطين والناشطات على توقيع وثيقة توبة، والتخلي عن قناعاتهم كشرط ضمني أو صريح لعودتهم إلى البلاد، فالآراء السياسية لا تشكل جنحة تتطلب طلب العفو».

ومنذ بداية العام الحالي، عاد بعض النشطاء المعارضين من الخارج في إطار إجراءات جديدة، فرضت عليهم التعهد كتابياً بعدم التعرض بالنقد للحكومة. ولا تتوفر معلومات دقيقة عن عدد الذين وقَّعوا على هذا التعهد.

كما طالب أصحاب العريضة بـ«احترام حقنا في التعبير الحر عن آرائنا وتحليلاتنا وانتقاداتنا واقتراحاتنا، دون تعرضنا للتشويه، أو توصيفنا بـ(أعداء الأمة) أو التهديد بالتجريد من الجنسية». مشددين على أن دعوة الرئيس للمعارضين «لا يمكن أن تتجسد دون إلغاء الأحكام القانونية المقيدة للحريات، مثل المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، التي تجرّم تحديداً هذا التعبير السياسي الذي تؤكدون اليوم مشروعيته».

سعيد صالحي رئيس رابطة حقوق الإنسان المحظورة (حسابه الشخصي بالإعلام الاجتماعي)

إلغاء «المادة 87 مكرر»

تثير «المادة 87 مكرر» جدلاً واسعاً منذ ضمها إلى قانون العقوبات عام 2021؛ وذلك بسبب تكييفها مجموعة من الممارسات والمواقف على أنها «إرهاب»، أو «نشر للكراهية» أو «مس بالأمن العام» وبـ«وحدة البلاد». وقد تم سجن العشرات من النشطاء والصحافيين والحقوقيين تحت طائلة هذه التهم.

وأضافت العريضة، موضحة أن رسالة الرئيس الموجهة إلى المعارضين في الخارج، «لا يمكن فصلها عن اتخاذ تدابير مماثلة لصالح معارضي الداخل؛ ولعل أول خطوة تعكس انسجاماً حقيقياً مع تصريحاتكم تكمن في إقرار عفو عام عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وجميع المتابَعين أو المحكوم عليهم لممارستهم السلمية لحقوقهم وحرياتهم».

الناشطة المعارضة صنهاجة أكروف (حسابها الخاص)

وتابعت العريضة في ختامها: «إنكم، باعتباركم الهرم الأول في السلطة، مطالبون اليوم بترجمة تصريحاتكم إلى أفعال، عبر منح ضمانات حقيقية تمكّن كافة المواطنين والمواطنات، على اختلاف أطيافهم، من العودة إلى البلاد، أو الإقامة فيها دون وجل من ممارسة حقوقهم المشروعة».

ويبرز في قائمة الموقعين عدد من الشخصيات والوجوه المعروفة في أوساط المعارضة، والنشاط الحقوقي والأكاديمي في الجالية الجزائرية بالخارج، وفي مقدمتهم حكيم عداد المقيم بفرنسا، وهو من مؤسسي تنظيم «تجمع عمل شبيبة» الذي تعرَّض للحل، وقد سبق أن سُجِن بسبب نشاطه السياسي، وسعيد صالحي، الحقوقي البارز نائب رئيس «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» المحظورة، والمقيم حالياً في بلجيكا. كما تضم القائمة أيضاً صنهاجة أكروف، وهي ناشطة وسياسية بارزة في فرنسا، ولزهر زوايمية، وهو أستاذ جامعي وأكاديمي مقيم بكندا، وناشط حقوقي بارز في أوساط الجالية هناك.

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

تعد هذه العريضة أول رد جماعي من معارضي الخارج على دعوة الرئيس تبون، مما قد يشكل اختبارا لجدية التصريحات الرئاسية. في المقابل، لا تزال قضايا مثل ملفي أمير بوخرص وهشام عبود عالقة بين الجزائر وفرنسا. كما أن شرط التعهد بعدم النقد الذي فرض على بعض العائدين سابقا يثير تساؤلات حول مدى التغيير الفعلي في السياسة. من المتوقع أن تراقب الأوساط الحقوقية كيفية تعامل الحكومة مع هذه المطالب، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في نهاية العام.