واشنطن تربط الشراكة الأمنية مع بغداد بنزع سلاح الميليشيات
كثفت واشنطن ضغوطها على الحكومة العراقية للمضي في نزع سلاح الميليشيات بالتزامن مع اقتراب موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.
بعد تسريب تفاصيل خطة الموساد التي انتهت بالفشل الذريع، ارتفعت الأصوات المطالبة بإقالة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وديفيد برنياع، الرئيس السابق للموساد ومهندس الخطة.
وتعكس هذه الدعوات حالة من الاستياء العميق إزاء إدارة الملفات الاستراتيجية الحساسة.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية، الأربعاء، عن مسؤولين أمنيين قولهم إن الخطة كانت ساذجة وأُعدت بطريقة هواة لا محترفين، وإن غالبية المسؤولين الأميركيين رفضوها على أساس أنه محكوم عليها بالفشل.
وكانت مصادر أمنية وسياسية في واشنطن وتل أبيب قد كشفت تفاصيل الخطة في تقارير نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأحد الماضي، وصحيفة «هآرتس» يومي الأحد والاثنين.
كانت الخطة قد أُعدت قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، وشملت عناصر عدة، أبرزها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، واستغلال الفوضى المتوقعة بعد مقتله لحث الإيرانيين على الاحتجاج، وتعبئة الجماعات الكردية المسلحة لاجتياح طهران بمشاركة أقليات أخرى، والاستعانة بأذربيجان لشن هجوم من الشمال، إضافة إلى تجنيد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد وتنصيبه رئيساً جديداً بعد إسقاط النظام.
0 seconds of 0 secondsVolume 90%
Press shift question mark to access a list of keyboard shortcuts
00:00
00:00
00:00
رفض أميركي مبكر
وطرح نتنياهو الخطة على الرئيس دونالد ترمب ومساعديه خلال زيارته البيت الأبيض في 11 فبراير (شباط) 2025. وانضم برنياع إلى الاجتماع عبر اتصال مرئي من مقر الموساد في غليلوت.
وبحسب صحيفة «هآرتس»، كانت الانطباعات الأولية خادعة، إذ اقتنع ترمب بأن الفرصة مواتية لإسقاط النظام. لكن الموقف تغير جذرياً في اليوم التالي عندما تشاور مع مستشاريه؛ حيث أبدى نائب الرئيس جي دي فانس شكوكه حيال الخطة، فيما كان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر حدة، واصفاً إياها بأنها «هراء». كما سخر منها مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف، معتبراً أنها «مهزلة».
وخلص كبار مسؤولي الاستخبارات الحاضرين إلى أن التوقع بأن يؤدي غزو كردي إلى إسقاط النظام «منفصل عن الواقع». أما ترمب، الذي بدا مقتنعاً بمنطق مستشاريه، فاختتم النقاش بالقول إن تغيير النظام سيكون «مشكلتهم».
ونشرت الصحيفتان معطيات تفيد بأن الرئيس الأسبق أحمدي نجاد وافق على العمل مع إسرائيل تمهيداً لتنصيبه رئيساً، لكن مكتبه أصدر بياناً شديد اللهجة نفى فيه ذلك.
وقال مكتب أحمدي نجاد إن ما نشرته الصحيفة «كذب بالكامل»، ووصفه بأنه يتضمن «ادعاءات هوليوودية» و«سيناريو سخيفاً»، في محاولة لـ«إثارة البلبلة وشن حرب نفسية» على الإيرانيين.
وجاء في بيان نشره موقع «دولت بهار» التابع لأحمدي نجاد أن الرئيس الأسبق يواصل «أموره الجارية» ويعمل في خدمة المواطنين، نافياً بصورة قاطعة خضوعه للإقامة الجبرية أو وجود أي صلات له بإسرائيل.
الموساد في مرمى الانتقاد
ونشرت «هآرتس» سلسلة من ردود الفعل التي عدّت خطة نتنياهو وبرنياع فاشلة. وقال مسؤول أمني رفيع: «هناك فشل للموساد هنا، ومصدره اعتقادهم بإمكان إطاحة نظام بهذه القدرة المحدودة».
وأعربت مصادر أخرى عن آراء مماثلة، مشيرة إلى أن هذه الخطة الطموحة، التي كان يفترض أن تكون ثمرة سنوات من العمل، وُضعت خلال أشهر.
وقال رئيس الموساد السابق تامر باردو: «عندما كنت أترأس وحدة عمليات خاصة، كنت أشرف دائماً على عملية استراتيجية فعالة. كنا نعمل لمدة عامين لتحقيق نتيجة».
ومن جانبه، قال رام بن باراك، نائب رئيس الموساد السابق وعضو لجنة الشؤون الخارجية والأمن في البرلمان: «من المستحيل تنفيذ خطة لتغيير النظام خلال أشهر قليلة. لقد قدرت أن هذه الخطة ستستغرق عقداً على الأقل. إن إيجاد قيادة بديلة، وتعيين قائد، وتجنيد الأفراد، وجلب الأسلحة، كلها جهود مضنية وإخفاقات لا تنتهي».
وأضاف مصدر آخر في الموساد: «هذا حدث ضخم كان من المفترض أن يستمر 15 عاماً. ومن المفترض أن ينتقل من رئيس إلى آخر، لكن لا يمكن إنجازه بهذه السهولة. الموساد سفينة ضخمة، وتحريكها يستغرق وقتاً».
وقال مصدر رابع، شغل سابقاً منصب رئيس قسم في الموساد، إن «مثل هذه العملية تتطلب جهداً هائلاً»، مضيفاً: «عليك بناء منظومة ضخمة، وحتى بعد بنائها لا يمكنك الجزم بأن النجاح مضمون».

وأشار المصدر أيضاً إلى جانب آخر يتمثل في الغرور، والتمسك بالهدف مهما كلف الأمر، إلى حد العمى. فكما لم يستشر نتنياهو أسلافه ولم يتأثر بتحذيرات مديرية الاستخبارات، كان الأمر كذلك مع كبار قادة الموساد.
وقال مصدر أمني: «في خضم الاستعدادات، اتصل بي الموساد وطلب مني مقابلة رئيس قسم التأثير. كان هو من قاد الخطة. قلت: إنني سأحضر بكل سرور. حضرت وألقيت التحية، لكن كان من الواضح أنه لا يحتاج إلى مساعدة، وأنه يعرف مسبقاً ما يجب فعله. شكرته كثيراً وانصرفت».
وتساءل مصدر أمني: «أين كان كل أولئك الذين كان ينبغي لهم أن يقفوا ويقولوا إن هذا كله محض هراء؟ كان يجب على المختصين أن يقولوا: كفى، توقف، أنت تطرح أفكاراً لا أساس لها. كل هؤلاء الناس، ولا أحد يقول إن الملك عارٍ؟».
وفي النقاشات الدائرة حالياً، يعتقد بعضهم أن الخطة برمتها كانت خطأً استراتيجياً فادحاً. وقال مصدر أمني: «لقد اتبعتم وهماً وصنعتم قصة نصر للإيرانيين». وأضاف أن الموساد يتحمل مسؤولية كبيرة عن هذا الفشل، لأنه أوحى بوجود احتمال مرتفع للنجاح، كما يتحمل نتنياهو جزءاً من المسؤولية، إذ سعى منذ البداية إلى تنفيذ الخطة، ومضى فيها حتى بعد إبلاغه بعدم جدواها.

خلاف حول النتائج
وفي المقابل، تدعو أصوات أخرى إلى التريث، عادّةً أن الخطة لم تنجح، لكن نتائج الحملة برمتها قد لا تتضح إلا بعد سنوات. ويقول أصحاب هذا الرأي إن إسرائيل أنهت حرب لبنان الثانية بشعور من المرارة، لكنها حصلت بعدها على 17 عاماً من الهدوء.
ولا يزال برنياع نفسه يعتقد أن النظام الإيراني محكوم عليه بالانهيار، ويتوقع حدوث ذلك خلال عام إلى ثلاثة أعوام. ومع ذلك، يقر أيضاً بأنه إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يؤدي إلى تحرير الأصول ورفع العقوبات، فهناك احتمال كبير لبقاء النظام.
بل إن النظام، في مثل هذا السيناريو، سيكون قد صمد أمام احتجاجات واسعة، وقاوم هجوماً من أكبر قوة في العالم، ولم يستسلم لحملة ضغط مطولة بشأن مضيق هرمز. وستتدفق الأموال، وقد يشهد الإنتاج الدفاعي طفرة كبيرة. ومع ذلك، فإن المجازفة التي أقدم عليها نتنياهو قد تكلف إسرائيل ثمناً باهظاً.
وكتب عوفر شلح، الرئيس الأسبق للجنة الخارجية والأمن في البرلمان، في مقال نشرته «هآرتس» الأربعاء، أن «الضرر الذي لحق بأمن إسرائيل ومكانتها الدولية كبير، ولا يقل عن ضرر مذبحة 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، عادّاً أنه نتج عن عيوب متأصلة في الثقافة الإسرائيلية وطريقة التفكير فيها.

وقال إن أول هذه العيوب هو التعويل على الجهل، متسائلاً: «كيف يمكن لأحد أن يتخيل أنه يستطيع، من خلال بضعة آلاف من المقاتلين الأكراد، الذين رفضوا أن يكونوا وقوداً للمدافع في ذلك الحدث، وشخص واحد في طهران، و(منظومة تأثير) تقوم على التلاعب الرقمي، فرض تغيير في نظام الحكم بدولة تبلغ مساحتها 74 ضعف مساحة إسرائيل، ويخدم نحو مليون شخص في جيشها وفي (الحرس الثوري)؟».
وأضاف: «أين نجح ذلك، حتى في ظروف أكثر ملاءمة؟ لم ينجح بالنسبة إلى الولايات المتحدة في خليج الخنازير، ولا بالنسبة إلى إسرائيل في لبنان، حيث وضع الموساد أيضاً تلك الخطة الوهمية، ولا بالنسبة إلى الأميركيين أو الروس في أفغانستان».
وتابع أن المسؤولين في إسرائيل «يفضلون قضاء ساعات طويلة وهم ينكبون على صور الأقمار الاصطناعية وجداول بيانات الغارات الجوية، ولا يخصصون أي وقت للاستفادة من دروس التاريخ والمنطق البسيط».
0 seconds of 0 secondsVolume 90%
Press shift question mark to access a list of keyboard shortcuts
00:00
00:00
00:00
ورأى شلح أن الفشل الثاني يتمثل في قلة الشجاعة، إذ يصمت المشككون، بينما يرى الوزراء والضباط والشركاء في الغرف المغلقة أن نتنياهو مصمم على خطته. وأضاف: «بعضهم يختفي عن الأنظار، وبعضهم يتعاون. فلماذا يجادلون رئيس الحكومة ويفوتون مراسم الحصول على الأوسمة إذا نجحت العملية عن طريق الخطأ؟».
أما الفشل الثالث، حسب شلح، فهو التصرف بطريقة الهواة. وقال إنه عندما فشلت الخطة قبل أن تبدأ، أمر برنياع بإعداد خطة أخرى «خلال 48 ساعة»، رغم وضوح قدرة ترمب على وقف كل شيء في لحظة، كما فعل في يونيو (حزيران) 2025.
وأضاف أنه لم يُعد أحد خطة لمثل هذه اللحظة، ولم تُستخلص منها أهداف قابلة للتحقق، كما لم يُصَغ خطاب يخفف سقف التوقعات.
واختتم شلح مقاله بالقول: «كان نتنياهو مدفوعاً بوهم أن النصر المطلق في إيران سيمحو ذنوبه وينقذه سياسياً وشخصياً. لكن في الحقيقة، كان ينبغي له ولبرنياع أن يذهبا إلى البيت مكللين بالخزي والعار».
وأضاف: «لكن من يعتقد أن ذلك، أو لجنة تحقيق تأمر بحل تنظيمي، سيعالج الأمراض التي أدت إلى هذه الهزيمة النكراء، فهو مخطئ».
اقرأ أيضاً
وتشير هذه التفاصيل إلى وجود فجوة بين التصورات الإسرائيلية والواقع السياسي والعسكري، كما أن رفض الإدارة الأميركية للخطة يعكس تباعداً في الرؤى بين الحليفين. وقد يكون لهذا التطور تداعيات على الاستقرار السياسي الداخلي في إسرائيل، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة لكفاءة التخطيط الاستراتيجي.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.