خيام غزة تتحول إلى جداريات لتوثيق الفقد والصمود
ملخص
يعمد النازحون في القطاع إلى توثيق أسماء الضحايا وعناوين منازلهم المدمّرة، وتوجيه رسائل لوم وعتب للرأي العام العالمي، مستخدمين الفحم وما تبقى من طلاء تحت الركام، لتغدو الخيام بمثابة نافذة تواصل بديلة تحاكي منصات التشرذم الرقمي.
تأتي هذه التحولات التعبيرية في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد تعيشها العائلات النازحة داخل المخيمات المؤقتة.
داخل مخيم غزة، ينحني الخطاط مصطفى أمام واجهة خيمته المصنوعة من الشمع، ممسكاً بفرشاة خشنة يغمسها في بقاضي طلاء أزرق انتشله من ركام منزله، بينما يتسارع نبضات قلبه وهو يبدأ برسم الحرف الأول على قماش يرفض استيعاب الحبر لكنه يصر على المضي قدماً في العمل.
تتجمع الألوان فوق القماش لترسم اسم وصورة طفل صغير، فقد قبل أشهر خلال رحلة النزوح القسري أثناء العمليات العسكرية بين حركة "حماس" وإسرائيل، ينجذب الجيران لمنظر مصطفى وهو يرسم، يقفون يراقبون الحبر وهو يسيل ببطء على مشمع الخيمة ويجف بسبب أشعة الشمس.
![]()
تتجمع الألوان فوق القماش لترسم اسم وصورة طفل صغير (رويترز)
مرصد توثيق
عقب أن كانت الجدران الأسمنتية تمنح العائلات في القطاع الخصوصية المنشودة قبل اندلاع الصراع، أتى الدمار ليدفعهم نحو الإقامة في مخيمات مؤقتة حلت فيها الأقمشة الرقيقة محل الجدران، لتتحول تدريجياً إلى مساحات تعبيرية للسكان.
عندما بدأ الغزيون يكتبون ويرسمون على جدران خيامهم القماشية، تحول المأوى إلى مرصد يوثق اللحظات الاجتماعية والتاريخية، وأصبحت كل قطعة قماش وثيقة تسجل تفاصيل الصعوبات النفسية والإنسانية التي يعيشها الغزيون.
على قماش خيام المأوى، يكتب الغزيون كل ما يخطر ببالهم، يخطون أسماء الضحايا تخليداً لهم، وعناوين بيوتهم الأصلية تأكيداً على العودة، كما يكتبون رسائل عتب حزينة للعالم، وعبارات ساخرة تهجو حر الصيف وشح مياه الشرب.
في مخيم المواصي، تحمل سمر قطعة فحم صغيرة وتتفقد الواجهة الخلفية لخيمتها بشكل يومي، خطت الأم بيدها التي ترجف أسماء أبنائها الثلاثة وزوجها الذين قتلوا في قصف منزلهم قبل أشهر.
تقول سمر "لم نستطع دفن أولادنا في مقابر حقيقية بسبب القصف، تركتهم تحت أنقاض البيت وهربت نازحة، كتبت أسماءهم هنا على الخيمة حتى يبقوا معي من دون أن أنساهم أبداً".
تمسح سمر غبار الرماد عن الحروف وتضيف "الخيمة صارت بيتنا وقبر أولادي، وجدت أنا وكثير من العائلات في الكتابة على القماش وسيلة وحيدة للتعامل مع صدمة الفقد غير المكتمل".
حبر المشاعر
في الواقع، تتصدر أسماء الضحايا واجهات الخيام في قطاع غزة، إذ باتت الأقمشة وسيلة نعي مفتوحة يكتب عليها الناس أسماء أحبائهم الذين قضوا في الغارات لإبقاء ذكراهم حية في قلوب المارة، انتشرت هذه الظاهرة بقوة مع فقدان العائلات القدرة على دفن ذويها في مقابر منتظمة.
إلى جانب ذلك تحولت الجدران القماشية إلى منصات إعلانية للبحث عن المفقودين الذين انقطعت أخبارهم وسط فوضى الحرب، يكتب الأهالي أسماء الغائبين متبوعة بأرقام هواتف للتواصل، أو بعبارات مناشدة لمن يملك أي معلومة عنهم، أبدع الغزيون بهذا الأسلوب بعد انقطاع شبكات الاتصال والإنترنت، مما جعل المخيم نفسه وسيلة النشر.
على واجهة خيمة، كتب باللون الأحمر العريض "نبحث عن ابننا يوسف الخطيب، فقد على حاجز صلاح الدين، من يعرف عنه شيئاً يتواصل مع الخيمة رقم 40"، يقف والده أحمد ويشرح أهمية الكتابة "الإنترنت مقطوع والاتصالات مشلولة، والناس يتحركون بين المخيمات طوال اليوم"، ويكمل الأب "جدار الخيمة صار جريدتنا وصفحة 'فيسبوك' البديلة، تحولت الخيمة بفعل هذه العبارات إلى نقطة اتصال حية تعوض غياب الوسائل التكنولوجية".
يكتب النازحون أسماء عائلاتهم ومدنهم وقراهم الأصلية بخطوط عريضة على واجهات الخيام الأمامية، وابتكروا ذلك لمواجهة الفوضى الناتجة من عمليات النزوح المتكررة، وفقدان كثير من العائلات أوراقها الثبوتية تحت الأنقاض.
دليل جغرافي
في أزقة مخيم النزوح، تلفت الانتباه خيمة كتب عليها باللون الأسود "عائلة الجمل. نازحون من حي الشجاعية بغزة"، يقف الشاب يحيى أمام خيمته ويقول "النزوح مسح معالم حياتنا، وصرنا مجرد خيام متشابهة في الطقس واللون، كأننا بلا أسماء وبلا تاريخ"، ويضيف "كتابة اسم العائلة والبلد الأصلي بطاقة هويتنا الجديدة أمام مجتمع المخيم، بهذه الطريقة الجميع يعرفون من أين أصلنا، وحتى لا ينسى الصغار اسم حارتنا، أصبحت هذه العبارات صكوك ملكية رمزية".
إلى جانب حفظ الهوية، تحولت هذه الكتابات إلى دليل يساعد الناس على العثور على بعضهم بعضاً، في ظل انقطاع شبكات الاتصال، إذ يستدل الزائرون والمؤسسات الإغاثية على الأشخاص من خلال قراءة أسماء العائلات المكتوبة على الشوادر.
على بعد أمتار قليلة، يبحث الحاج خليل أبو عيطة عن أقارب له نزحوا حديثاً من شمال القطاع، يتجول الحاج بين الخيام ويقرأ اللافتات المكتوبة على القماش حتى يجد ضالته، "لولا الأسماء المكتوبة على وجه الخيام لضاعت العائلات ولم يعرف أحد طريق الآخر"، ويضيف خليل "عندما ألمح اسم عائلة أشعر بأمان، لأن أصحابي أو أقاربي على قيد الحياة، الكتابة على الشادر اختصرت علينا مسافات طويلة من البحث والضياع وسط آلاف النازحين".
تحديات الغرافيتي
تواجه عملية الكتابة على الخيام تحديات معقدة بسبب الحصار الذي تسبب في شح القرطاسية وأدوات الطلاء، إذ لا يمتلك النازحون ترف الحصول على الأقلام والفرشاة والألوان بانتظام، مما دفعهم إلى ابتكار بدائل من محيطهم.
يعتمد الناس بشكل أساس على الفحم المتبقي من حطب الطهي لإشعال النيران، إذ يجمعون القطع المتفحمة الغليظة لاستخدامها كأقلام طبشور سوداء، كما يستصلح البعض بقايا عبوات الطلاء الجافة من تحت أنقاض المنازل المدمرة ويعاد تسييلها، وفي حالات أخرى، لجأت نساء إلى استخدام بقايا مساحيق التجميل والصبغات التالفة لخط الكلمات.
بعد توفير الألوان يواجه النازحون مشكلة طبيعة الأسطح المراد التوثيق عليها، فالقماش الشمعي السميك (الشوادر) والنايلون الناعم يرفضان الحبر بسهولة، لذلك يعيدون تخطيط الحروف والرسوم باستمرار لضمان بقاء رسائلهم.
مبادرات تطوعية
في غزة برزت مبادرات فردية لخطاطين وفنانين تشكيليين نازحين يتجولون بين الخيام، يحمل المتطوعون بقايا ألوانهم الشحيحة وأقلامهم ويتنقلون من خيمة إلى أخرى لخط أسماء العائلات والضحايا.
يمسك الخطاط سائد عبيد بقصبة ويخط اسماً على شادر خيمة، يقول وهو يمسح عرق جبينه "الناس يموتون من الكآبة واللون الرمادي، لذلك قررت استخدام خطي حتى أرجع إليهم القليل من الكرامة والجمال عندما أكتب اسم العائلة بخط ديواني أو على رقعة مميزة".
يضيف الخطاط "الحصول على الدهان معجزة. الخط العربي بالنسبة إلينا ليس مجرد زينة، هو أداة صمود وإعلان أننا أصحاب حضارة وثقافة حتى خلال حياتنا داخل الخيام".
قيد الحياة النفسية
على جدار خيمة داخلي، كتبت الشابة آية "الخيمة خذلتنا في الشتاء، لكن قلوبنا لن تبرد".
تشرح الإخصائية النفسية منى عوض هذه الظاهرة قائلة "الكتابة على الخيمة عملية تنفيس انفعالي ضرورية جداً للبقاء على قيد الحياة النفسية، فالإنسان الذي يفقد منزله وخصوصيته يحتاج إلى جدار يضع عليه صدمته"، وتضيف عوض "النازح عندما يكتب اسمه أو ألمه على الشادر، فهو يثبت لنفسه والعالم أنه ليس مجرد رقم عابر في النشرات، هذا النوع من الغرافيتي العفوي يمثل آلية صمود ووسيلة دفاعية تمنع الانهيار النفسي التام وسط ظروف العيش غير الآدمية"، وتتابع "الفنانون يعملون كسفراء للجمال في بيئة قاسية ومحطمة، يساعدون العائلات على تلوين واقعهم البائس ويحولون الجدران القماشية الموقتة من مجرد أغطية لجوء إلى لوحات فنية تحكي قصة الصمود والتحدي"، وتوضح عوض أن الكتابة على الخيام تمثل لجوءاً عفوياً لآليات الدفاع النفسي لمواجهة الصدمات المتتالية، مشيرة إلى أن النازحين يواجهون مشاعر العجز التام والاضطهاد بسبب الفقد المتكرر والتهجير المستمر، "لذلك كتابة الكلمات على القماش تمنح الشخص شعوراً موقتاً بالسيطرة على واقعه وتشخرجه من دائرة الصمت إلى مساحة التعبير المفتوح".
وتؤكد عوض أن الكتابة أداة تمنع تحول عناصر الطبيعة مثل البرد والمطر والحر والرطوبة إلى أدوات تعذيب للجسد، "لذلك عندما يكتب النازح عن معاناته مع المطر، فإنه يحول الألم الجسدي إلى نص مكتوب يشاركه مع الآخرين"، لافتة إلى أن هذا السلوك يكسر العزلة النفسية القاتلة، ويجعل من المعاناة الفردية قضية جماعية يتشارك فيها جميع قاطني المخيم.
اقرأ المزيد- إسرائيليون يطالبون بإعادة استيطان قطاع غزة
- نازحو غزة محاصرون بين نار الخيام وأوبئة الشاطئ
- وعيد كاتس "المؤجل" يؤرق خيام غزة
- نتنياهو يأمر الجيش بالسيطرة على 70% من قطاع غزة
- تأثير بانكسي... "غرافيتي" يرسم تاريخا ويلون صراعا
خطاب للعالم
تحمل جدران الخيام رسائل سياسية حاشدة وموجهة بصورة مباشرة إلى المجتمع الدولي، يعبر الغزيون فيها عن مشاعر العتب والخذلان تجاه معاناتهم المستمرة، وفي الوقت نفسه، وثقت الخيام رسائل تضامن معاكسة تفيض بالشكر للحركات الحقوقية والطلبة في الجامعات الغربية الذين ساندوا القضية.
على واجهة خيمة كتبت عبارة باللغتين العربية والإنجليزية "شكراً لطلاب الجامعات الذين لم ينسونا". بجانبها يقف الشاب النازح وسام ويشرح الرسالة "الإنترنت تنقطع عنا بانتظام، لكننا نعرف من يرفع صوته لأجلنا في العالم الخارجي"، ويضيف "كتبنا عبارات الشكر بالخط العريض لعل مصوراً صحافياً ينقلها عبر شاشته إلى هؤلاء الطلاب، رسائلنا على الخيام هي طريقتنا لقول إننا نراقب العالم كما يراقبنا، وإن حبرنا على هذا القماش البسيط أقوى من كل محاولات إسكات صوتنا".
البداية قديمة
تعد ظاهرة الكتابة على الجدران امتداداً تاريخياً وثقافياً لأدب الجدران، وتعود هذه الممارسة بجذورها إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، في ذلك الوقت تحولت جدران المنازل والخرسانة في المدن والمخيمات إلى الوسيلة الإعلامية الأسرع لإيصال الرسائل.
خلال الانتفاضة الأولى، كان الشبان يستخدمون بخاخات الطلاء لكتابة بيانات القيادة الموحدة، وتحديد أيام الإضراب الشامل، وفي هذه الحرب يعيد النازحون إحياء الفكرة ذاتها.
يقول الباحث في التاريخ الفلسطيني رياض النخالة "أحدثت الحرب تحولاً جوهرياً في مادة التوثيق إذ انتقل الفن التعبيري من جدران الخرسانة إلى قماش الخيام والنايلون الموقت، من وجهة نظري حافظت هذه الممارسة على وظيفتها الأساسية التوعوية والتعبوية لتبث رسالة واحدة مفادها بأن اللجوء لا يعني الاستسلام"، ويضيف النخالة "الذاكرة الفلسطينية مرتبطة تاريخياً بالكتابة على الجدار، الجدار في الثقافة الشعبية لدينا هو شاهد على المعاناة والصمود منذ عقود، عندما دمرت إسرائيل الجدران الأسمنتية في غزة، أرادت مسح الشواهد والذاكرة، لكن النازح نقل قلمه تلقائياً إلى جدار الخيمة القماشي الخفيف"، ويكمل "هذا الانتقال يثبت أن ثقافة الغرافيتي عند الفلسطيني هي غريزة بقاء، واستمرار لنفس الأداة الإعلامية البديلة التي واجه بها الأجداد المحتل في الانتفاضات السابقة".
قوة الهوية الثقافية
يؤكد وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان أن "هذه الكتابات والرسوم العفوية التي يخطها النازحون فوق أقمشة خيامهم تمثل رواية وطنية شعبية بالغة الأهمية، وهي شهادة حية ومباشرة تعكس قوة الهوية الثقافية والإنسانية للمجتمع الغزي في أحلك الظروف وأصعبها"، ويضيف حمدان "هناك مساعٍ حثيثة نقوم بها حالياً بالتعاون مع فنانين وصحافيين ميدانيين لتوثيق وأرشفة هذه النصوص والجداريات رقمياً وفوتوغرافياً بشكل منظم، خوفاً من تلف الخيام أو احتراقها بفعل العوامل الجوية والقصف المستمر".
يعتقد المؤرخون أن "غرافيتي الخيام" الحالي يتفوق في بعده الإنساني على غرافيتي الانتفاضات السابقة، فالكتابات السابقة كانت تركز بشكل أكبر على الشعارات السياسية لكن قماش الخيام يحمل نصوصاً أكثر عمقاً تركز على الفرد الإنساني وعائلته ويومياته ومشاعره البسيطة مما يجعله الوثيقة الأروع.
تجسد هذه اللوحات والكلمات المخطوطة على القماش واقعاً معيشياً قاسياً فرضه النزوح المستمر، حيث تحاول الأسر ايجاد وسائل بديلة لتوثيق فجيعتها الإنسانية وحفظ ذاكرتها الجماعية وسط شح الإمكانيات. ويبقى التعبير الفني على جدران الخيام شاهداً حياً على محاولات الصمود اليومية في وجه تداعيات الحرب المستمرة.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.