ثروة مدفونة وصراع مفتوح.. قصة "الدهابة" في مصر
"أخطر من الحرب مع العدو".. بهذه العبارة وصف المهندس أحمد حبيب، عضو رابطة جواهرجية مصر، المعارك التي تخوضها السلطات المصرية ضد المنقبين غير الشرعيين عن الذهب في محافظات الجنوب، المعروفين بـ"الدهابة"، والذين عادوا إلى دائرة الاهتمام مجدداً.
تأتي هذه التصريحات في وقت تتواصل فيه حملات القوات المسلحة والشرطة لملاحقة هؤلاء المنقبين في المناطق الجبلية بصعيد مصر.
كشفت القوات المسلحة المصرية مؤخراً عن أعداد كبيرة من المصريين والأفارقة يمارسون التنقيب العشوائي عن الذهب في المناطق الجبلية دون تنسيق مع الدولة، وتحديداً في المنطقة الممتدة من القصير ومرسى علم وحتى الحدود الجنوبية.
وتشهد هذه المناطق حاليا، بداية من محافظة البحر الأحمر شرقا وحتى حلايب وشلاتين جنوبا، والمناطق الجبلية المتاخمة لها انتشارا مكثفا للأكمنة الأمنية الثابتة والمتحركة لضبط "الدهابة"، فيما تواصل الأجهزة الأمنية عمليات الضبط، التي أسفرت عن عدد من المفاجآت.
ويقول أحمد حبيب، في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن معركة الدولة ضد "الدهابة" لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية، لأن هؤلاء يدمرون كل جهود مصر لجذب شركات عالمية للاستثمار في قطاع الذهب، ويهربون كل ما يجدونه إلى الخارج.
وأضاف: "تعمل هذه المجموعات خارج إطار القانون وبشكل غير شرعي، ويستخرج أفرادها الذهب الخام بعيدا عن أعين أجهزة الدولة، وهو أمر يجعل الحكومة المصرية في مواجهة أخطار على مستويات عديدة، بيئية واقتصادية وأمنية، بجانب مخاطر التهريب للأفارقة والذهب".
أخبار ذات صلة
مسارات التهريب عبر الحدود
قال عضو رابطة جواهرجية مصر، إن مهنة الدهابة ترتبط ارتباطا وثيقا بمسارات التهريب عبر الحدود، فالأمر لا يقتصر على تهريب كميات الذهب التي يتم اكتشافها في مناطق التهريب غير الشرعي، بل يمتد أيضًا إلى تهريب أصحاب الجنسيات الأفريقية للمشاركة في التنقيب.
وتابع: "خطر الدهابة يمتد إلى تهديد خطط الدولة للتنمية والاستثمار، إذ إن استنزاف الثروات في جبال مصر يحرم قطاعات أخرى من إفراز مشروعات إنتاجية يمكنها أن تنتج لاحقًا عوائد اقتصادية، بالإضافة إلى عدد كبير من فرص العمل، وكلها تصب لصالح عصابات بعينها.
وأشاد حبيب بدور القوات المسلحة ووزارة الداخلية المصرية في التصدي لهذه العصابات المنظمة، التي أصبحت تسيطر على مناطق جبلية كاملة، وتستخدم الأشخاص المهربين من الدول المجاورة في أعمال الحراسة والتنقيب، ظنا منهم أنهم يمثلون حكومة موازية في الظل.
أكد الجيولوجي محمود عثمان، مفتش مناجم مرسى علم بهيئة الثروة المعدنية، أن أنشطة الدهابة في التنقيب عن الذهب الخام غير قانونية، وتلحق ضرراً بأمن واقتصاد البلاد، كما تخلف آثاراً بيئية وخيمة.
ولفت، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن أعمال التنقيب العشوائية تشوه المناطق التعدينية وتؤثر في طبيعتها الجيولوجية، لا سيما أن هذه المناطق غالبًا ما تكون ذات طبيعة خاصة، فهي جبلية وعرة أو صحراوية، ومن ثم تكون هناك صعوبة كبيرة في الرقابة عليها ومتابعتها.
وأردف: "هذه العمليات تحرم الدولة من الاستفادة من مواردها، في وقت تعمل فيه الحكومة على جذب مزيد من الاستثمارات العالمية في قطاع التعدين، وخصوصًا الذهب، ومن ثم فهي تهدر فرصًا استثمارية كبيرة، وتؤثر في ثقة الشركات الكبرى في قطاع التعدين المصري".
معارك وقتل جماعي
كشف مصدر أمني بوزارة الداخلية المصرية، عن تطور عمليات الدهابة من التنقيب إلى الجريمة، إذ شهدت منطقة أم الحويطات الجبلية، جنوب مدينة سفاجا بالبحر الأحمر، معارك ضارية بين مجموعتين من المنقبين، وذلك خلال شهر مايو الماضي، استخدمت فيها الأسلحة النارية.
وأشار، في تصريحاته لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن هذه المعارك أسفرت عن مقتل 8 أشخاص، منهم 5 من أبناء "الأشراف الغربية"، فيما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على من أطلقوا النار على المنقبين، لافتًا إلى أن الخلاف كان حول أولوية التنقيب في المنطقة.
وأكد المصدر الأمني أن مهنة "الدهابة" تكشف عن وجود منظومة إجرامية لها مصالحها الخاصة وقواعدها، وهو ما يجعلها حاليًا تحت أعين الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، التي باتت ترصد كل التحركات وتحاصر هذه المجموعات، لأن النشاط يرتبط بجرائم عديدة.
وأضاف: "هناك جرائم أمنية من بينها التنقيب غير المشروع والتهريب للبشر والذهب معًا، بجانب حيازة أسلحة دون تراخيص والمعارك التي أودت بحياة عدد من الأشخاص، بخلاف الجرائم الاقتصادية، وأهمها تعطيل الاستثمارات، واستغلال موارد خارج إطار القانون".
ولفت إلى أن الدهابة ينتشرون أيضًا في المناطق الجبلية بمحافظة أسوان، إذ تحولوا إلى عصابات منظمة، تستعين ببعض القادمين من دول أفريقية، وفي الوقت نفسه يحاولون استمالة الشباب من أبناء العائلات والقبائل بالمحافظة، لضمان عدم الإبلاغ عنهم من جانب هذه العائلات.
يشار إلى أن أهالي محافظة أسوان يواجهون أزمة نقص وقود بسبب عصابات "الدهابة" حيث أنها تحصل على كميات ضخمة من وقود الديزل والسولار بالإضافة إلى أسطوانات "البوتاجاز" وكميات من المشتقات النفطية الأخرى، وذلك لتشغيل طواحين الذهب وسياراتهم في الجبال.
وتمثل هذه الأنشطة غير القانونية تحدياً كبيراً للدولة المصرية، حيث تؤدي إلى استنزاف الثروات المعدنية وإفشال خطط جذب الاستثمارات العالمية في قطاع الذهب. كما تسهم في تهريب الذهب والمهاجرين عبر الحدود، وتترك أضراراً بيئية جسيمة. وتواصل الأجهزة الأمنية جهودها لتفكيك هذه الشبكات وضبط المنقبين المخالفين.
المصدر الأصلي: سكاي نيوز عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.