دعت القاهرة الجانب الأوروبي إلى إرساء «قنوات نظامية» للهجرة والعمل على معالجة دوافعها الأساسية. وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن بلاده تجري مشاحثات ثنائية مع عدة عواصم أوروبية للتوصل إلى تفاهمات منظمة لملف الهجرة، «تستند إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تتجاوز إدارة الأزمات قصيرة الأجل».

يأتي هذا التحرك الدبلوماسي في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بإدارة تدفقات المهاجرين واللاجئين في منطقة حوض البحر المتوسط.

تصريحات عبد العاطي جاءت خلال محادثات مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الخميس، على هامش الاجتماع الوزاري لمنظَّمة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) المنعقد في العاصمة الفلبينية، مانيلا.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية، تطرق عبد العاطي أثناء المحادثات إلى أطر التعاون المشترك مع التكتل الأوروبي في مجالات الهجرة والتصدي لـ«الهجرة غير المشروعة»، مسلطاً الضوء على الضغوط المالية الكبيرة التي تقع على عاتق الدولة نتيجة إيواء ملايين المقيمين واللاجئين والمهاجرين، ومشدداً على «الدور المحوري الذي تضطلع به في دعم الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط».

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، يتصدرهم السودانيون والسوريون، وهو ما يكلفها أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات رسمية.

وشدَّد عبد العاطي في هذا السياق على «أهمية فتح قنوات للهجرة النظامية، بما في ذلك الهجرة الدائرية والموسمية، ودعم المشروعات التنموية التي تعالج الأسباب الجذرية للهجرة، إلى جانب مساندة الدول المستضيفة للاجئين».

وجدَّدت مصر المطالبة بدعم دولي لاستضافة ملايين اللاجئين. وقال وزير الخارجية خلال لقائه المديرة العامة لـ«المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD)» سوزان راب، الأسبوع الماضي، إن بلاده «تنتهج مقاربة شاملة بشأن قضايا الهجرة».

ولدى مصر والاتحاد الأوروبي ملفات تعاون مشترك متعددة، من أبرزها جهود مواجهة «الهجرة غير المشروعة»، وجهود توفير الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتَّحوُّل الرقمي، ومجالات التنمية المستدامة والاستثمارات.

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

وفي السياق ذاته، ثمّن عبد العاطي خلال اجتماعه بكالاس الحركية الإيجابية التي تطبع العلاقات الثنائية، والتطور الملموس في مسار الشراكة الشاملة والاستراتيجية بين الطرفين، والذي تجسد في انعقاد الدورة الـ11 لـ«مجلس المشاركة بين مصر والاتحاد الأوروبي» بمدينة لوكسمبورغ منتصف يونيو (حزيران) الماضي، داعياً إلى دفع التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري قدماً بمختلف القطاعات.

وفي مارس (آذار) 2024، توافقت مصر والاتحاد الأوروبي على ترفيع العلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة». وفي ختام قمة عُقدت بالقاهرة، وشارك فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورؤساء دول وحكومات قبرص وإيطاليا والنمسا واليونان، وقَّع الجانبان «إعلاناً مشتركاً» بشأن شراكة استراتيجية شاملة.

وعدَّ السيسي حينها زيارة القادة الأوروبيين للقاهرة «انعكاساً لعُمق العلاقات المصرية - الأوروبية الممتدة عبر التاريخ، وحالة الزخم التي تشهدها العلاقات خلال الفترة الأخيرة، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية».

لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وممثلة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس في مانيلا (وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وبحسب «الخارجية المصرية»، أطلع وزير الخارجية المسؤولة الأوروبية على الاتصالات والجهود المصرية المكثفة الرامية إلى التهدئة وخفض التصعيد بمنطقة الشرق الأوسط. وأكد «دعم مصر جميع المساعي الهادفة إلى تسوية الأزمة الراهنة عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية، بما يسهم في خفض التوترات، وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتجنب اتساع دائرة الصراع، لما لذلك من تداعيات على أمن المنطقة، وأمن الملاحة الدولية، وحركة التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد».

كما تناول اللقاء تطورات القضية الفلسطينية والأوضاع في قطاع غزة، حيث شدَّد عبد العاطي على «أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وضمان النفاذ الكامل والسريع للمساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف للانتقال إلى المراحل التالية، وصولاً إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار». وحذَّر من «خطورة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية».

وتبادل عبد العاطي وكالاس الرؤى والتقديرات بشأن الأوضاع في السودان وليبيا وسوريا، وأكدا «دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة وسيادة وسلامة أراضي الدول».

في حين أشادت المسؤولة الأوروبية بالدور الذي تضطلع به مصر في دعم جهود خفض التصعيد الإقليمي، مؤكدة «تطلعها إلى مواصلة التنسيق والتشاور خلال الفترة المقبلة في إطار الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي».

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

تسعى مصر من خلال هذه المباحثات إلى تأمين شراكة أعمق مع الاتحاد الأوروبي تتجاوز البعد الأمني المباشر إلى التنمية الاقتصادية الشاملة. وتتحمل القاهرة أعباء مالية جسيمة نتيجة استضافتها لأعداد كبيرة من الوافدين من دول تعاني من نزاعات وأزمات مستمرة. ويُتوقع أن تواصل الدبلوماسية المصرية طرح هذه المقاربة في المحافل الإقليمية والدولية المقبلة لحشد مزيد من الدعم الدولي. ويبقى مدى استجابة الشركاء الأوروبيين لهذه المطالب اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية الشراكة الاستراتيجية المبرمة بين الجانبين.