ملخص

شكّل تحوّل الولايات المتحدة من سياسة المواجهة السياسية والحصار الاقتصادي إلى الحرب المباشرة والاستخدام العسكري صدمة للقيادة الإيرانية، التي لم تكن تسعى في أهدافها البعيدة لاستمرار التصعيد مع واشنطن وتحويله إلى نزاع عسكري، بل إلى تحقيق اعتراف بدورها ومكانتها في المعادلات الإقليمية من دون الانخراط في إطار المصالح الأميركية أو ما يُسمى بالمحور الأميركي.

وتعكس الصدمة الإيرانية خطأً في قراءة النوايا الأميركية، إذ بنت طهران تقديراتها على أن الخيار العسكري مستبعد.

عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، وكشف مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، شرعت أطراف إيرانية في الترويج لسردية تستغل فشل الإدارة الأميركية في تحقيق هدفها بإسقاط النظام أو إجباره على شروطها، لعرضه كانتصار سياسي وصمود وتعزيز القدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي.

انتقال الولايات المتحدة الأميركية من مرحلة المواجهة السياسية والحصار الاقتصادي إلى مرحلة الحرب المباشرة واستخدام القوة العسكرية، شكَّل صدمة لدى القيادة الإيرانية، التي لم يكن الهدف البعيد لديها استمرار المواجهة مع واشنطن وتحويلها إلى عسكرية، بل الوصول إلى هدف الاعتراف بدورها وموقعها في المعادلات الإقليمية، من دون أن يكون عليها الدخول في منظومة المصالح الأميركية أو ما يُعرف بالمحور الأميركي.

ساهمت التعبيرات السياسية للقيادة الإيرانية، بدءاً من المؤسس روح الله الخميني وحتى المرشد علي خامنئي، في تشكيل الصدمة، إذ استبعدت أي حرب أميركية واسعة ضد إيران ونظامها، مؤكدة أن "أميركا لا يمكنها أن تقوم بأي حماقة"، إما انطلاقاً من البعد العقائدي الذي أسسه الخميني، أو بناءً على اعتقاد خامنئي بأن إيران تمتلك قدرات عسكرية ونفوذاً إقليمياً وعمقاً استراتيجياً في غرب آسيا.

ولعل الرواية التي قدمها الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني قبل اغتياله وبعد اغتيال المرشد، في لقاء أجراه مع مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمي الإيراني عن بعض تفاصيل لقاء جمعه مع وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كسنجر، والذي حصل بطلب من الأخير خلال إحدى زياراته إلى أميركا عام 2015، تشكل تعبيراً واضحاً عن العقلية الإيرانية في نظرتها إلى أهمية موقعها على الخريطة الدولية، وصعوبة الخيار العسكري لدى الأميركي، ورغبة واشنطن في استعادة علاقاتها مع إيران باعتبار ما تمثله من ثقل جيوسياسي وجيواقتصادي دولي محوري، وأن أهمية هذا الثقل كان الدافع للإبقاء على الهضبة الإيرانية كياناً جغرافياً موحداً، عندما توافقت القوى الكبرى على تقسيم المنطقة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

اقرأ المزيد

وعلى رغم الشعارات الكبيرة التي رفعها النظام الإيراني، من "الموت لأميركا" إلى السعي لتحقيق الطموح العقائدي والأيديولوجي "الأسمى" بالقضاء على الكيان الإسرائيلي ومحوه من الوجود، لم يكن ولن يكون الهدف منه إلحاق الهزيمة وزوال الهيمنة الأميركية أو القضاء على إسرائيل، بل السعي إلى الحصول على تسوية كبيرة تعترف بموجبها واشنطن بالدور والموقع الإيراني بصورة رسمية، في مقابل أن تقوم طهران بتطبيع علاقاتها مع واشنطن من دون تبعية أو خضوع للإرادة السياسية لأميركا. وقد شكلت محطتا اتفاق عام 2015 حول البرنامج النووي مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ومذكرة التفاهم التي وُقعت من الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي أبرز المؤشرات إلى هذه الرغبة الإيرانية.

الطموح الإيراني بالوصول إلى هذه المعادلة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ ثلاثة عقود كان مبنياً وقائماً على خطاب يستعدي واشنطن من ناحية، ويعتمد على برنامج نووي يضع إيران على مقربة من العتبة النووية، إضافة إلى قاعدة واسعة من النفوذ الإقليمي من خلال الأذرع التي زرعتها في غرب آسيا من ناحية أخرى، وبخاصة أن هذه الأذرع شكلت عمقاً أيديولوجياً واستراتيجياً لها ولمشروعها الإقليمي، يهدف إلى دفع واشنطن للقبول بإيران كقوة إقليمية، وقوة لا تنضوي تحت المظلة الأمنية الأميركية.

الإيرانيون كانوا يدركون حساسية هذه المعادلة، وبخاصة لدى الجانب الإسرائيلي، وأن المعركة الأساس والصراع الرئيس لن يكون مع واشنطن، بل بين طموحاتهم وطموحات تل أبيب ومَن الذي يبسط هيمنته وسيطرته على منطقة الشرق الأوسط ويكون صاحب القرار فيها، وهو ما عبَّر عنه عدد من القيادات الإيرانية كعلي لاريجاني وعلي شمخاني اللذين قتلتهما إسرائيل في الحرب الأخيرة، وتحدثا عن ضرورة أن تتخلى واشنطن عن دعمها المطلق لتل أبيب، والذهاب إلى نوع من التوازن في التعامل مع القوى الإقليمية ذات الدور والنفوذ والاعتراف بموقعها على خريطة المعادلات الإقليمية.

وإذا ما كانت هذه القيادات قد صُدمت بالانتقال السريع لواشنطن من سياسة الاحتواء والحصار والعزل السياسي والاقتصادي، إلى سياسة المواجهة العسكرية والأمنية المباشرة، فإن هذا يكشف عن حجم الخطأ الإيراني في قراءة تعقيدات العلاقة التي تربط واشنطن وتل أبيب. فعلى رغم تأكيد واشنطن الدور الوظيفي لتل أبيب في معادلة المصالح الأميركية، والتي أكدها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وأيضاً المبعوث الخاص للرئيس ترمب في سوريا والعراق توم براك، بأن المصالح الأميركية مقدَّمة إذا ما تعارضت هذه المصالح مع المصالح الإسرائيلية أو أي حليف آخر. بالتالي، فإن تعاملها مع المسار الذي اعتمده الرئيس ترمب في تحقيق المصالح الأميركية على المستوى العالمي لم يأخذ بالاعتبار عينه إمكان الانتقال إلى المستوى العسكري والمواجهة المباشرة، وأن ما كان ممكناً مع أي رئيس أميركي سابق لن يكون مجدياً مع ترمب المُغرم بالتفلت من كل القيود والقواعد في العلاقات الدولية.

قرار الرئيس ترمب بالعودة إلى الحرب وقلب طاولة التفاوض وإنهاء وقف إطلاق النار ووقف العمل بمذكرة التفاهم التي أنتجها المسار التفاوضي الذي رعته باكستان، يعيد إلى الواجهة إمكان أن يكون ترمب فتح مساراً جديداً يُعيد إحياء الطموح الأساس الذي يلتقي مع طموحات تل أبيب، في تفكيك النظام الإيراني والقضاء عليه من خلال الضغط العسكري والإنهاك الاقتصادي وإمكان حدوث صراعات داخلية.

بهذه العودة ومحاولة العودة إلى فرض شروط ترمب على طهران وما فيها من إنهاء لكل طموحاتها بما يشبه الاستسلام، يكون ترمب قد أطلق رصاصة على المعادلة التي تريد طهران الوصول إليها، أي الاعتراف بدورها من دون أن تكون جزءاً من المحور الأميركي، في محاولة لاستعادة تجربة الانفتاح الذي قاده كسنجر على الصين عام 1972. إلا أن ما سقط من الحسابات الإيرانية، أن ذلك الانفتاح فرضته الحرب الباردة ومساعي واشنطن لإضعاف خصمها في الاتحاد السوفياتي ومنع أي تحالف بين الطرفين، في حين أن من تسعى إيران لمحاصرته ليس سوى الذراع الإقليمية لواشنطن في تل أبيب، وأن المصلحة الأميركية لم تصل بعد إلى قراءة تسمح لها بالتخلي عن هذه الذراع لمصلحة معادلة جديدة في الشرق الأوسط يكون فيها موقع ودور وشراكة لإيران.

الطموح الإيراني للاعتراف بدوره إقليمياً من دون الخضوع للمحور الأميركي اصطدم بإدراك متأخر لحجم التلاحم بين واشنطن وتل أبيب، وقرار ترمب بتجاوز الأطر التقليدية. وقد يفتح ترمب مساراً جديداً يهدف إلى تفكيك النظام الإيراني عبر الضغط العسكري والاقتصادي وإثارة الصراعات الداخلية.