يرى أكاديمي سوري أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو ليست متناقضة، بل تعكس رؤية واحدة تدعم استقرار سوريا داخلياً ودورها في لبنان، في تفسير يرفض فكرة وجود خطابين متناقضين.

تأتي هذه التصريحات في ظل تحولات في السياسة الأميركية تجاه سوريا ولبنان، تركز على الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية.

التصريحان - بحسب الأكاديمي السوري ياسر نجار - يعنيان أن الدبلوماسية الأميركية ممثلة بالرئيس ترمب ووزير خارجيته روبيو تظهر اهتماماً كبيراً باستقرار الأوضاع في سوريا، ما ينعكس على استقرار الأوضاع في الإقليم وأهمية ذلك على خريطة المصالح الأميركية المرسومة بخصوص الإقليم.

من مانيلا، شدد روبيو الأربعاء على أن واشنطن تحث سوريا على الانشغال بقضاياها الداخلية وتأمين حدودها مع لبنان.

ورداً على سؤال حول دفع سوريا لمواجهة حزب الله، قال روبيو: «ما شجّعنا عليه سوريا هو التركيز على التحديات الداخلية التي تواجهها».

لقاء الرئيس ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

يعتبر نجار أن الموقف الأميركي يمثل تحولاً جوهرياً يعيد ترتيب أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، مع تركيز استثنائي على سوريا ولبنان، يتجاوز السياسة إلى خطوات عملية للانفتاح والتعاون الاقتصادي.

وذهب الأكاديمي السوري إلى أن واشنطن لم تكتفِ بالتصريحات، بل بادرت إلى تسهيل العلاقات مع الدولة السورية الجديدة، متخذة سلسلة قرارات جريئة، بدأت بإلغاء قانون «قيصر» الذي كان يشكّل عقبة أداء أمام أي تطبيع، مروراً برفع سوريا من قوائم الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تمهد لعودة تدريجية للعلاقات الثنائية، وصولاً إلى فتح الباب واسعاً أمام التعاون الاقتصادي.

في الجانب اللبناني، والكلام لياسر نجار، تجسّد الاهتمام الأميركي من خلال رعاية مباشرة للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لترسيخ استقرار حدودي وعدم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بين الحين والآخر على الأراضي اللبنانية، ما يبعث برسالة طمأنة إلى كل الأطراف الفاعلة في الإقليم. حيث تكمن النوايا الحقيقية لهذه التحركات في رؤية أميركية استراتيجية، ترى في شرق المتوسط بوابة العبور إلى مشاريع اقتصادية كبرى، تشارك فيها الولايات المتحدة إلى جانب دول خليجية وتركيا، لتشكل محور تنمية إقليمياً، يعيد تعريف خرائط المصالح في المنطقة.

سوريا ولبنان، بموقعهما الجغرافي الفريد، تشكلان قلب هذه الرؤية، حيث يمثل استقرارهما السياسي والأمني ركيزة أساسية لضمان استدامة أي استثمار وجذب رؤوس الأموال، وبناء شراكات حقيقية تمتد لعقود مقبلة.

دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية اللبنانية بريف القصير في أبريل 2026 وتمشيط الأنفاق التي يستخدمها «حزب الله» (أ.ف.ب)

يتابع: «في مؤشر عملي يعكس جدية التوجه الأميركي، تم التحرك نحو تشجيع عملية النقل الجوي بين شركات الطيران الأميركية ومطار بيروت، بما يُسهّل حركة رجال الأعمال الأميركيين ذهاباً وإياباً، ويُزيل العقبات اللوجستية أمام وجودهم المباشر في المنطقة، وهذا ليس مجرد إجراء فني، بل رسالة واضحة بأن الشركات الأميركية باتت ترى في لبنان وسوريا وجهة واعدة لتوسيع أعمالها والانخراط في دورة اقتصادية إقليمية نشطة».

والنتيجة، بحسب ياسر نجار، أن الولايات المتحدة، من خلال هذه الخطوات المتسارعة، تقدم نموذجاً عملياً لربط المصالح الاقتصادية بالاستقرار السياسي، وتؤكد أن مستقبل المنطقة مرهون بقدرتها على تقديم بيئة جاذبة للاستثمار، وأن واشنطن مستعدة للعب دور محوري في دعم هذا التوجه من خلال أن يكون هناك التزام حقيقي باستدامة الأمن والانفتاح الاقتصادي. يختتم الأكاديمي السوري ياسر نجار كلامه بالقول: «إن الرسالة التي ترسلها واشنطن اليوم إلى دول الإقليم هي؛ شرق المتوسط لم يعد مجرد ساحة نفوذ، بل أصبح مختبراً لشراكات اقتصادية طموحة، حيث يكون الاستقرار هو العملة الرابحة، والاستثمار هو الهدف المشترك».

رئيس الحكومة نواف سلام يستقبل الوزير أسعد الشيباني في بيروت (أ.ف.ب)

في التوازي، يرى مراقبون سوريون أن الإدارة الأميركية لديها خطابان بشأن دور سوريا في ملف «حزب الله»؛ خطاب الرئيس ترمب الذي لا يزال يطرح فكرة دور سوري في هذا الملف بصيغة غير واضحة وحمّالة أوجه، وخطاب وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي رسم لهذا الدور حدوداً أكثر وضوحاً، بحصره في ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة.

وهذا هو رأي الباحث السوري محمود علوش، الذي عبّر عنه في حسابه على منصة «إكس»، ويعدّ الخطابين لا يعكسان بالضرورة وجود توجهين متناقضين داخل واشنطن بشأن الدور السوري، بل يمكن النظر إليهما باعتبارهما مستويين مختلفين مكملاً أحدهما الآخر، من حيث تحقيق الهدف الاستراتيجي الأميركي.

لكنّ ما يحسم الاتجاه الأميركي في هذه القضية، من وجهة نظر علوش، هو ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على نزع سلاح «حزب الله» من خلال صيغة الاتفاق الإطاري مع إسرائيل.

تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الصحافة على هامش اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (رويترز)

من جهته، علّق جهاد مقدسي، المستشار في وزارة الخارجية السورية للشؤون الأميركية، على تصريحات روبيو، بقوله: «يُحسب للوزير ماركو روبيو تصريحه الواضح والإيجابي، الذي أكّد فيه أن أولوية سوريا اليوم هي مواجهة تحدياتها الداخلية، مع استمرار الدعم والتشجيع الأميركي الواضح لسوريا».

واعتبر، في تعليق على «إكس»، أن هذا الموقف يعكس فهماً عميقاً لواقع المرحلة، كما أن الجهود التي تبذلها الدبلوماسية السورية الجديدة منذ التحرير في تعزيز الحوار وبناء الثقة، تسهم في ترسيخ هذه المقاربة وتعزيز الدعم الدولي لسوريا الجديدة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قال، الأربعاء: «الولايات المتحدة رفعت سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما يأمل أن يسهم في تحقيق الانتعاش الاقتصادي، الذي تحتاجه البلاد بشدة».

وتابع: «سوريا بلد له تاريخ طويل من تعايش مكونات مختلفة، جنباً إلى جنب في سلام على مدى سنوات طويلة».

وأشار كبير الدبلوماسيين الأميركيين إلى أن دمشق لديها «مهمة كبيرة» في هذا الصدد، ولذلك شجّعتها واشنطن على التركيز على هذا الأمر.

تجدر الإشارة إلى أن الحدود السورية اللبنانية تمتد لأكثر من 370 كيلومتراً، وتُعدّ منطقة حساسة بسبب عمليات التهريب والتنقل غير النظامي، بما في ذلك تهريب الأسلحة والمخدرات.

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

يعكس الموقف الأميركي تحولاً استراتيجياً في أولويات واشنطن بالشرق الأوسط. تعمل الإدارة الأميركية على تسهيل العلاقات مع سوريا عبر خطوات عملية مثل إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات. تركز واشنطن على استقرار الحدود السورية اللبنانية لمنع تهديدات حزب الله. تسعى الولايات المتحدة إلى إقامة شراكة اقتصادية مع دول الخليج وتركيا في شرق المتوسط. يمثل استقرار سوريا ولبنان حجر الزاوية لأي استثمار إقليمي مستقبلي.