هرمز.. و100 عام
لعل أبرز التحولات الاقتصادية العالمية خلال 100 عام ماضية يمكن ذكرها سرداً، وفي رؤية مختلفة لكل مختص مهتم ولكن بوجهة نظري أن أهمها كانت "كتحولات" اقتصادية، هي الكساد العظيم 1929 أكبر انهيار مالي في العصر الحديث، وسقوط البورصات وبداية تدخل الحكومات في الاقتصاد، وظهور سياسات كينز (1883 - 1946) والتحفيز المالي، الحدث الثاني هي الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) التي إعادة بناء أوروبا واليابان، وتأسيس نظام بريتون وودز (الذي وضع أسس الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية) وبداية صعود الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية، الحدث الثالث "عصر النفط" والتي تضاعف معها أسعار النفط مع الحظر الذي تم وهي خلال الفترة (1973 – 1980) شكلت مرحلة جديدة لأسعار النفط وتضاعف سعره عدة مرات وظهور التضخم المرتفع مع الركود "الركود التضخمي" وبرزت أهمية دول الخليجية كأكبر مصدري نفط واحتياطات مهمه ويخرج منها ربع الإنتاج العالمي من النفط، الحدث الرابع "نهاية قاعدة الذهب" عام 1971م، وهي فك ارتباط الدولار بالذهب والانتقال للعملات الورقية وتوسع الهائل في السياسات النقدية والائتمان، الحدث الخامس بروز الصين منذ عام 2000م وأصبحت أكبر صانعي تحول الاقتصاد العالمي وتغيير في الموازين الاقتصادية عالميا، الحدث السادس الأزمة المالية العالمية 2008م وما خلفته من انهيار النظام المالي في أمريكا وحملة إنقاذ البنوك والتيسير الكمي الهائل وأسعار فائدة شبة صفرية لتحفيز الاقتصاد وافلاس كبيرة في الولايات المتحدة خصوصا، الحدث السابع جائحة كورونا والكثير عاشها وعرفها وما القت به من توقف الاقتصاد العالمي واللوجستيك وأكبر حزم تحفيز مالي ونقدي بالتاريخ وتغيير مفهوم التجارة عالميا، وبعد الجائحة لم يعد العالم كما هو بسبب التضخم واستمراره والتباطؤ الاقتصادي، الحدث الثامن الحرب الروسية الأوكرانية وما خلفت من أزمة طاقة وارتفاع أسعار وإعادة رسم خريطة أوروبا التي تعمل على الاستغناء عن غاز روسيا خصوصا وتسارع مفهوم الأمن الاقتصادي وإعادة سلاسل الإمداد، الحدث التاسع اليوم هي المشاهد للثورة الذكاء الصناعي التي أصبحت اليوم تتداخل في كل الاقتصاديات وشؤون الحياة الخاصة والعامة وتأثيرها على الإنتاجية وإعادة تشكيل سوق العمل وسباق الرقائق الأمريكي الصيني التايواني.
السؤال الآن.. هل "أزمة مضيق هرمز" بين "فتح وإغلاق" وتأكيد أمريكي على الفتح الإيراني على الغلق، يصبح هو الحدث أو أحد أهم الأحداث الاقتصادية المؤثرة في العالم خلال 100 عام مضت؟ وماذا يتوقع مستقبلا أن يغير أو يمكن أن يحدثه؟.. نعم بتقديري الشخصي أن مضيق هرمز اليوم سيكون حدثا مهماً يغير خريطة العالم اقتصاديا، بمعنى أدق وأهمية المضيق أن خمس التجارة العالمية يخرج من الخليج، ربع نفط العالم يخرج منه ما يقارب 17 إلى 18 مليون برميل يوميا يخرج منه وهذا يعادل 20 % من نفط العالم اليوم ونسبة تتصاعد، و25 % من النفط المنقول بحريا، والغاز أكثر حساسية من النفط فلا خطوط غاز تنقله فهو يصدر كغاز مسال "LNG" ف 20 % من الغاز المسال يمر عبر هرمز، والبتروكيماويات تعتبر دول الخليج من الأكبر عالميا يصدر ربع صادرات العالم من البولي إيثلين والبولي بروبيلين التصدير 35 % من اليوريا 47 % من الكبريت 26 % فوسفات ثنائي الأمونيوم 24 % من صادرات الأمونيا وغيرها، العالم اليوم يعاني من توقف كبير ووصل أحيانا لتوقف كامل عن التصدير، وهذا غير وسيغير خريطة العالم في مجال الطاقة بتحول للاستثمارات في مجال الأنابيب وموانئ بديلة "وهذا تكلفة" وكذلك تأثر كبير بسبب سلاسل الإمدادات بالبحث عن مرونة أكبر، الخليج يجب أن يكون بمأمن تام لضمان أمن الطاقة عالميا بأسعار يتحملها المستهلك والدول، وإلا سيكون هناك تكلفة كبيرة متصاعدة لا تستطيع تحملها الدول المستهلكة خصوصا في ظل ضعف اقتصادي وتضخم مستمر، حدث هرمز لم يكون مؤقتا أو عابرا، وأن عاد هرمز، فالتوجس الأمني خاصة من جهة دولة معادية وهي إيران لا ضمانات معها إلا ببدائل مستدامة وأن كانت مكلفة، وإلا سيواجه العالم تكلفة عالية للطاقة ستكون أثرها الركود والتباطؤ الاقتصادي على المدى الطويل، فنفط الخليج هو الأكثر استدامة مستقبلا والأقل كلفة من غيره.. العالم اليوم أمام نظام اختبار اقتصادي جديد يحمل تكلفة نفط الخليج الذي يواجه تحديا كبيرا في التكلفة، ولعل المملكة العربية السعودية هي الأقل تأثرا في ذلك بسبب خط شرق غرب ومستقبلا يمكن مضاعفته لنقل النفط السعودي.. وهذا ميزة كبرى للمملكة خاصة، ولكن هرمز رفع تكلفة وخلق أزمة عالمية.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.