ملخص

وفقاً لمراقبين، يظل الصراع على أرض مطار القدس الدولي مفتوحاً بين روايتين: إسرائيلية تسعى عبر الجرافات والمتاحف الأيديولوجية إلى ترسيخ الضم ومحو الماضي، وفلسطينية تتمسك بالرمز السيادي والتاريخي للمطار كدليل على ارتباط فلسطين بالعالم، وركيزة أساسية في أي مستقبل للحرية والاستقلال.

يمثل مطار القدس الدولي محوراً للصراع على الهوية والسيادة في القدس، حيث تتضارب الروايات التاريخية والسياسية حول مستقبل المنطقة.

منذ عام 1948، لم تعد الأرض مجرد فضاء جغرافي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل تحولت إلى مسرح لفرض وقائع ممنهجة، حيث تُعاد تشكيل الحدود والبنى التحتية لخدمة مشاريع استيطانية إحلالية.

ويأتي وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حجر الأساس لما يسمى "مركز التراث اليهودي" في منطقة مطار قلنديا الدولي (مطار القدس الدولي)، ليكشف عن فصل جديد وخطر من فصول السيطرة على الفضاء الحجري والتاريخي للمدينة المقدسة، فالمخطط الذي تمت هندسته في أروقة لجان التخطيط والبناء الإسرائيلية، لم يقرأه محللون كأزمة سكن عابرة للمستوطنين، أو كمشروع تطويري بلدي، بل كبرنامج استراتيجي متكامل تتقاطع فيه الأبعاد السياسية والشخصية والديمغرافية والبيئية. كيف لا وقد صمم المشروع بدقة لفرض واقع جيوسياسي لا رجعة فيه، يعيد صياغة السردية التاريخية للمكان، ويرسخ عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ويقضي بصورة مبرمة على المقومات المادية لـ"حل الدولتين" من خلال تحويل بوابات الملاحة الجوية الفلسطينية إلى أحياء سكنية ومراكز أيديولوجية حصرية للمستوطنين.

تأسس مطار القدس الدولي عام 1920 في عهد الانتداب البريطاني، ويحمل قيمة رمزية وسيادية كبيرة للفلسطينيين، حيث شهد تطوراً واسعاً خلال العهد الأردني، وكان شرياناً يربط القدس بالعواصم العربية والعالمية، مستقبلاً الوفود والسياح. وبعد حرب 1967، سيطرت إسرائيل عليه، واستُخدم لأغراض عسكرية ورحلات داخلية محدودة، ثم أُغلق بالكامل مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000.

أهداف أيديولوجية

المشروع الإسرائيلي الضخم في منطقة المطار لا يحمل أهدافاً أيديولوجية وعمرانية وحسب، بل يرتكز على زخم سياسي وبعد شخصي وعائلي لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، من خلال تخليد ذكرى شقيقه يوناتان الذي قتل عام 1976 أثناء قيادته لوحدة الكوماندوز الإسرائيلية "سيريت ماتكال" في عملية "عنتيبي" بأوغندا، إذ إن وضعه حجر الأساس لـ"مركز التراث" في مبنى المطار التاريخي ليس مجرد خطوة تكريمية، بل محاولة واضحة لـ"أسرلة" المكان وتحويل رمزية المطار من منشأة مدنية تاريخية فلسطينية وعربية إلى معقل للرواية العسكرية والأمنية الإسرائيلية، إذ سيستخدم هذا المركز كأداة دعائية لإعادة صياغة الرواية التاريخية للزوار والمستوطنين، وتبرير مصادرة الأرض تحت غطاء الإرث القومي، خصوصاً أن المخطط يتضمن إنشاء متحف أو مركز متخصص يروج لتاريخ الطيران الإسرائيلي داخل الهياكل المعمارية المتبقية من مطار قلنديا.

اقرأ المزيد

كما سيمحو المشروع الأثر البصري والتاريخي للطيران المدني الفلسطيني والأردني الذي كان قائماً، من أجل إحلال سردية تكنولوجية وعسكرية جديدة تصور الموقع وكأنه جزء أصيل من مسار تطور الدولة العبرية، مما يمنح المستوطنين الجدد إحساساً ضرورياً للارتباط التاريخي بالمكان، وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية، إلى جانب المتحف و"مركز التراث"، للمصادقة على المخطط الإنشائي لإقامة ضاحية سكنية عملاقة تضم نحو 9 آلاف وحدة استيطانية لاستيعاب ما يقارب 50 ألف مستوطن إسرائيلي، مع التركيز على شريحة اليهود المتدينين "الحريديم"، التي تعاني أزمة سكن خانقة داخل القدس، إذ سيوفر لها المشروع المعروف باسم "عطاروت" فضاء عمرانياً واسعاً مدعوماً حكومياً، ويضمن تدفقاً بشرياً سريعاً يغير الميزان الديمغرافي للمنطقة خلال سنوات قليلة.

ووفقاً لخبير شؤون الاستيطان خليل التفكجي، فإن "المستوطنة الجديدة التي سيطلق عليها اسم الحاخام عوفاديا يوسف، هي الأكبر بعد جبل أبو غنيم التي أقيمت عام 1997"، مؤكداً أن هذا المشروع له أهداف استراتيجية تقضي بتدمير رمز من رموز السيادة الفلسطينية".

قوانيين وآليات

لتمرير مشروع "عطاروت" تعتمد السلطات الإسرائيلية على ترسانة من القوانين والآليات التنظيمية المصممة للالتفاف على الملكيات وحقوق الأرض الفلسطينية، إذ لم تقدم على طرح هذا المشروع كعملية مصادرة علنية جديدة للأراضي، بل اعتمدت على تصنيف أرض المطار كـ"أراضي دولة"، خصوصاً أن هذا التصنيف يستند إلى أوراق ومصادرات قديمة تعود لفترات الانتداب البريطاني والإدارة الأردنية، وأن الأرض التي تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 1.2 مليون متر مربع كانت مخصصة للمنفعة العامة. لكن هذا المفهوم حول حصرياً لصالح البناء الاستيطاني اليهودي مما يمثل، وفقاً لمراقبين، خرقاً جوهرياً للقانون الدولي الإنساني الذي يمنع القوة المحتلة من تغيير طبيعة استخدام الممتلكات العامة في الأراضي المحتلة لصالح مواطنيها.

ولأن المساحة الشاملة للمخطط تحتوي على جيوب وقطع أراض واسعة تعود لملكيات خاصة لفلسطينيين من بلدات قلنديا وبيت حنينا وكفر عقب شمالي القدس، تلجأ اللجان التنظيمية الإسرائيلية إلى أداة تنظيمية تعرف بـ"إعادة التوحيد والفرز" لتفادي الطعون القانونية الطويلة أمام المحاكم، التي قد تعطل المشروع، ومن خلالها يتم دمج الأراضي كافة (الخاصة والعامة) في حوض تنظيمي واحد، ثم إعادة توزيع حصص البناء والحقوق. وينتج من ذلك حشر أملاك الفلسطينيين الخاصة في زوايا هامشية، أو تجريدها من القدرة على البناء المستقل، وتحويل المساحات الحيوية منها للشوارع والمرافق العامة والحدائق التي تخدم المستوطنة الجديدة، مما يعني مصادرة فعلية مغلفة بالقانون.

إسفين استيطاني

وبحسب متخصصين، فإن زرع ضاحية سكنية تضم 50 ألف مستوطن متدين في قلب منطقة شديدة الحساسية تحيط بها تجمعات حضرية كبرى مثل كفر عقب ومخيم قلنديا والرام وبيت حنينا وبير نبالا، يهدف إلى كسر التفوق الديمغرافي الفلسطيني في شمال القدس، إذ إن الوجود الاستيطاني المكثف والمسلح سيتطلب حماية عسكرية مشددة، وإقامة نقاط تفتيش جديدة، وطرق التفافية خاصة، مما يعني تحويل حياة المواطنين الفلسطينيين في التجمعات المجاورة إلى جحيم يومي من القيود الأمنية وحصار الحركة، وخنق التوسع الطبيعي للأحياء الفلسطينية المحيطة بالمطار (بخاصة كفر عقب والرام) وتحويلها إلى "معازل"، كيف لا وهي تعاني كثافة سكانية هائلة وأزمة سكن خانقة وتفتقر لأدنى حد من المساحات الخضراء والمدارس والمرافق العامة بسبب السياسات البلدية التمييزية. فبدل أن تخصص أراضي المطار الشاغرة قانونياً وتخطيطياً لتلبية الاحتياجات التوسعية الطبيعية لأصحاب الأرض الحقيقيين ستحرمهم إقامة المستوطنة من أراضيهم الاحتياطية الأخيرة، وتطوق أحياءهم بجدران أسمنتية واستيطانية، مما يحولها إلى "غيتوهات" أو معازل حضرية مقطعة الأوصال.

وبحسب مدير "مركز القدس" للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري فإن المخطط المطروح منذ سنوات يشمل بالأساس ما بين 20 إلى 22 ألف وحدة استيطانية"، مؤكداً أن 9 آلاف وحدة التي جرى ترخصيها هي فقط للمرحلة الأولى، ومشيراً إلى أن هذه المشاريع تشمل فنادق ومراكز تجارية ومرافق مختلفة، بما يمهد لاستيعاب ما يقارب 80 إلى 100 ألف مستوطن.

وذكر الباحث والمتخصص في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن توطين الحريديم (المتدينين)، المعروفين بكثرة الإنجاب، يهدف إلى ترجيح الكفة الديموغرافية في القدس لصالح المستوطنين اليهود بصورة حاسمة.

أداة طرد

ولا تقتصر أخطار مشروع "عطاروت" على الجوانب السياسية والديمغرافية، بل تمتد لتشمل تهديدات بيئية وصحية حادة أثارت حفيظة واعتراض بعض الوزارات والهيئات البيئية الإسرائيلية في مراحل التخطيط السابقة، فمطار قلنديا ملاصق تماماً لمنطقة "عطاروت" الصناعية القائمة، وهي واحدة من أكبر المناطق الصناعية الثقيلة التابعة لإسرائيل في القدس، وتضم مصانع للخرسانة ومواد البناء ومحطات كبرى لفرز وتدوير النفايات الصلبة ومصانع كيماوية، وقد يؤدي إقامة حي سكني ضخم على مسافة صفر من هذه المصانع لتعريض الفلسطينيين في المناطق المجاورة لمستويات خطرة من تلوث الهواء والانبعاثات الغازية السامة.

وعلى رغم رصد موازنات حكومية لمحاولة تأهيل التربة، فإن الأخطار البيئية ظلت قائمة وممتدة، وإلى جانب تسرب كميات هائلة من المواد الهيدروكربونية والزيوت والمخلفات الكيماوية إلى باطن الأرض جراء عقود من الاستخدام العسكري والصناعي غير المراقب لأرض المطار والمنطقة المحيطة بها، فإن القيام بعمليات تجريف ضخمة وحفريات عميقة لبناء آلاف الوحدات السكنية سيؤدي إلى إثارة الملوثات الكامنة في التربة، مما سيزيد من خطر انتشار الغبار الملوث في الأجواء وتدفق الملوثات إلى الحوض المائي الجوفي للمنطقة، خصوصاً أن الأحياء الفلسطينية الواقعة خلف جدار الضم والتوسع تعاني أساساً انهيار شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات وانقطاع المياه المستمر نتيجة الإهمال المتعمد من بلدية القدس، وقد يؤدي إدخال كتلة استيطانية ضخمة جديدة لاستهلاك هائل للموارد المائية والكهربائية. وفي ظل السياسات الحالية سيتم تحويل وتوجيه أفضل الخدمات والبنى التحتية البيئية لخدمة المستوطنة الجديدة، بينما تلقى التبعات البيئية السلبية والمياه العادمة باتجاه التجمعات الفلسطينية، مما يفاقم من التدهور البيئي والصحي في المنطقة.

مناورات إسرائيلية

وبسبب الأهمية الجيوسياسية الفائقة لمطار قلنديا، واجه مشروع "عطاروت" على مدار سنوات طويلة معارضة دولية تحولت إلى معركة كواليس دبلوماسية مستمرة، وتعتبر الإدارات الأميركية المتعاقبة (بخاصة الديمقراطية منها) والاتحاد الأوروبي أن البناء في منطقة المطار يمثل "تجاوزاً للخطوط الحمراء". وقد شهدت اللقاءات الدبلوماسية ضغوطاً مباشرة وقوية لوقف هذا المخطط، لأن المجتمع الدولي يرى فيه الرصاصة التي قد تقضي كلياً على خيار حل الدولتين. فمن دون مطار قلنديا لن تفقد الدولة الفلسطينية المستقبلية أي إمكان لامتلاك عاصمة متصلة جغرافياً ولها بوابة جوية مستقلة في القدس الشرقية وحسب، بل ستفقد الضفة الغربية البنية التحتية السيادية للمطار الذي يعتبر المنفذ الجوي الوحيد لها، مما سيؤدي مباشرة إلى حرمان أي كيان فلسطيني مستقبلي من امتلاك حدود جوية مستقلة أو تواصل مباشر مع العالم الخارجي من دون المرور بالمعابر الإسرائيلية.

وأمام هذه الضغوط الدولية الكثيفة، لا تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى إلغاء المشروع نهائياً، بل تتبع استراتيجية التأجيل التكتيكي وقضم الأرض خطوة بخطوة. فعندما تشتد الضغوط الخارجية يتم تجميد المخطط في اللجان اللوائية أو التحجج بضرورة استكمال دراسات الأثر البيئي لتبرير التأخير أمام المجتمع الدولي، وفور تراجع الضغوط الدولية أو انشغال العالم بأزمات أخرى تعاد صياغة المخطط ودفعه مجدداً نحو مراحل المصادقة النهائية على البناء، خصوصاً أن الموقف السياسي الإسرائيلي الرسمي المعلن يقوم على مبدأ فرض الأمر الواقع، إذ تزعم الحكومات الإسرائيلية أن القدس هي "العاصمة الموحدة والسيادية" لإسرائيل، وأن البناء في "عطاروت" شأن بلدي داخلي لحل أزمات السكن.

وأكد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي مازن الجعبري أن تنفيذ هذا المشروع لا يهدد فقط بتهجير السكان الفلسطينيين القاطنين في شمال القدس، بمن فيهم من يحملون الهوية الإسرائيلية، بل يكرس مفهوم القدس الكبرى ويقضي على أي إمكان لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، مشيراً إلى أن إصرار إسرائيل على فرض وقائع جديدة على الأرض تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة يؤكد بما لا يدعو إلى الشك أنها ماضية في مشروعها بلا اكتراث للمجتمع الدولي.

هجوم ثلاثي الأبعاد

إن مشروع السيطرة على مطار قلنديا وتحويله إلى مستوطنة "عطاروت" ومركز للتراث العسكري الإسرائيلي ليس مجرد مخطط عمراني هندسي، بل هو تجسيد حي لسياسة محو الذاكرة الجغرافية والتاريخية للفلسطينيين، فالمخطط من وجهة النظر الدولية والفلسطينية يمثل هجوماً ثلاثي الأبعاد: قانونياً، عبر تحوير القوانين والالتفاف على الملكيات الخاصة. وديمغرافياً، من خلال زرع كتلة سكانية ضخمة تخنق التجمعات الفلسطينية. وبيئياً، عبر تصدير التلوث والضغط على الموارد الشحيحة للأحياء العربية المحيطة. وأمام هذه الحقائق المفروضة بالقوة، يرى مراقبون أن المعركة فوق أرض المطار ستبقى صراعاً مفتوحاً بين روايتين، تسعى الإسرائيلية فيها إلى استخدام الجرافات والمتاحف الأيديولوجية لترسيخ الضم ومحو الماضي، أما الفلسطينية فتتمسك بالهوية السيادية والتاريخية لـ"مطار القدس الدولي" كشاهد على تواصل فلسطين مع العالم، وركيزة أساسية لا يمكن التنازل عنها في أي أفق مستقبلي للحرية والاستقلال.

هذا المشروع الاستيطاني الضخم ليس مجرد توسع استيطاني، بل هو جزء من استراتيجية إسرائيلية لفرض وقائع على الأرض تقوض حل الدولتين. ويُظهر استخدام القوانين التنظيمية لتحويل أراضي المطار لأغراض استيطانية خرقاً للقانون الدولي. وبالنظر إلى الأبعاد الديموغرافية والسياسية، يُتوقع أن يؤدي المشروع إلى تعقيد الجهود الدولية لتحقيق السلام.