ليبيا: أزمتا الكهرباء والعلاج تثيران التساؤلات حول أولويات الإنفاق الحكومي
دفعت أزمة انقطاع الكهرباء في ليبيا إلى جانب صعوبات حياتية أخرى ليبيين كثيرين إلى التساؤل بشأن أولويات الإنفاق الحكومي
تجددت النقاشات الحادة حول سلم أولويات الإنفاق الحكومي في ليبيا، في ظل التباين بين توجيه الموارد نحو مشاريع ترفيهية مثل مهرجان «صيف الشباب 2026» ومصايف «عودة الحياة» في طرابلس، وبين استمرار معاناة المواطنين مع انهيار الخدمات الأساسية لا سيما الكهرباء والرعاية الصحية.
تأتي هذه الانتقادات في وقت تواجه فيه البنية التحتية الليبية ضغوطاً متزايدة نتيجة سنوات من عدم الاستقرار السياسي والانقسام الإداري الذي أثر بشكل مباشر على جودة الخدمات العامة.
شهدت معظم الأراضي الليبية انقطاعاً شاملاً للتيار الكهربائي صباح السبت، مما أجج موجة غضب ضد الشركة العامة للكهرباء جراء تكرار انهيار الشبكة في وقت تشتد فيه درجات الحرارة. واتهم مواطنون السلطات في طرابلس وبنغازي بالانشغال بالأنشطة الترفيهية على حساب الحلول الجذرية للأزمات الخانقة.
وعلى الرغم من الحفاوة المجتمعية بافتتاح مشاريع ترفيهية في ليبيا، يرى كثيرون أن الأزمات المعيشية المتراكمة تحرم المواطنين من فرصة الاستمتاع بأي أنشطة.
رئيس «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال افتتاح مصايف «عودة الحياة» الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)
ووجَّه ليبيون انتقادات واسعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في خانة التعليقات على تغطيات الافتتاح التي نشرتها منصة «حكومتنا» التابعة لها، وقارن كثيرون بين الأضواء التي غطت سماء العاصمة مع افتتاح مهرجان «صيف الشباب 2026» في 11 يوليو (تموز) الحالي ومعاناتهم اليومية من انقطاع الكهرباء.
وتساءل حساب باسم «فتحي الحمروني» عن مصير ما أُنفق على قطاع الكهرباء من مليارات حسب تصريحات للحكومة، وذكّر حساب يحمل اسم «محمد العزابي» بوعود قطعها رئيس حكومة «الوحدة» بشأن معالجة أزمة الكهرباء بشكل نهائي؛ فيما نادت أصوات أخرى بـ«أولويات بديلة»، إذ طالب «عبد الحميد تمومن» بضرورة توفير فرص عمل للخريجين «بدلاً من إهدار الأموال على المهرجانات»، وهو ما أيده حساب «العربي بوالمجد» الذي تطلع إلى افتتاح مصانع إنتاجية توفر وظائف للشباب العاطل.
ولخص حساب يحمل اسم «عماد الدين ضياف» أولويات كثيرين بقوله: «نفرح بأي مشروع يخدم ليبيا، ولكن قبل كل شيء نريد طرقاً آمنة بدل حُفر الموت، وكهرباء وسيولة وخدمات صحية تليق بالمواطن»، عادّاً أن هذه هي أولويات الناس التي إذا تحققت سيفرح بها كل الليبيين.
«عودة الحياة»
ولم يختلف المشهد عند إطلاق مصايف «عودة الحياة» بتاجوراء الثلاثاء الماضي، إذ تكررت الانتقادات ذاتها رغم مستهدفات الحكومة بتطوير الشواطئ العامة بوصفها متنفساً آمناً للأسر، ودعم السياحة الداخلية، وتوفير فرص عمل للشباب.
لم تقتصر حالة الاستياء على الجمهور، بل شاركت النخب السياسية في الانتقاد؛ حيث تساءل المحلل السياسي محمد محفوظ عبر صفحته على «فيسبوك» عن جدوى تلك المهرجانات المكلفة في وقت تعاني فيه البلاد من انقسام حاد وتحديات مصيرية.
وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين، الأولى «الوحدة» برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد وتدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.
ويعتقد محفوظ أن الفعاليات الترفيهية التي تُقدم عليها الحكومة في طرابلس «ليست إلا حقن تخدير تستهدف منع الشباب من الاستفاقة والتركيز على قضايا وطنهم»، ويرى أن الأوطان «لا تبنى بتبديد الأموال على الترفيه بينما تتآكل العقول والتعليم».
ويشهد موسم «صيف الشباب 2026»، الممتد لشهر كامل بمشاركة نحو 3 آلاف شاب وشابة، عرض أكثر من 200 مشروع ناشئ دعماً لريادة الأعمال.
جانب من التجهيزات للمصطافين في طرابلس (حكومة الوحدة الليبية)
الترفيه... وتباين الآراء
وفي السياق ذاته، عقد المحلل السياسي الليبي هشام سالم الحاراتي مقارنة بين الاهتمام الحكومي بالترفيه والمعاناة الإنسانية للمواطنين، منتقداً غياب ما وصفه بـ«فقه الأولويات» في السياسات العامة.
وتساءل الحاراتي خلال حديث لـ«الشرق الأوسط» عن شعار «عودة الحياة» الحكومي وكيف يتناقض مع «مشاهد مؤلمة لمرضى ليبيين بالخارج وأسرهم» على حد قوله؛ مضيفاً أن البعض يضطر إلى بيع حلي زوجاتهم أو سياراتهم لاستكمال العلاج أو إجراء عمليات جراحية «بعد إغلاق المشافي هناك أبوابها أمامهم لعدم سداد الدولة مستحقات علاجهم».
واستطرد: «معالجة الأزمات الخانقة، وعلى رأسها انقطاع الكهرباء وتداعياته على المرضى، خصوصاً من يعيشون على أجهزة التنفس وكبار السن، كان يجب أن تتصدر أولويات الإنفاق». وواصل حديثه قائلاً: «إلى جانب الإظلام الواسع نتيجة خروج الشبكة كما حدث السبت، يُحرم الليبيون يومياً من الكهرباء لساعات فيما يعرف بطرح الأحمال».
وفي رأيه، فإن لجوء الحكومات المتنافسة لإقامة هذه المهرجانات يستهدف «تسويق استقرار أمني وهمي بمناطق نفوذها أمام المجتمع الدولي»، مستشهداً بـ«تصنيف طرابلس ضمن أسوأ عشر مدن العالم معيشياً» وفق مؤشر ملاءمة العيش العالمي لعام 2026 الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة «إيكونوميست».
وانتهى الحاراتي إلى أن «جودة الحياة تقاس بالصحة والتعليم والبنية التحتية والثقافة والبيئة، وليس بالشعارات والمهرجانات».
بالمقابل، دافعت أصوات أخرى عن هذه الفعاليات؛ فأشار محمد النعاس، أحد مسؤولي التنظيم بمهرجان «صيف 2026»، إلى أن «المهرجان يمثل فرصة للترفيه لسكان العاصمة وزوارها».
وأشار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى ما يضمه المهرجان من «أنشطة ثقافية ورياضية ودورات تدريبية تلبي جزءاً من احتياج الأسر للترفيه في ظل ضغوط الحياة».
وتوسط رأي نائب رئيس «حزب الأمة الليبي» أحمد دوغة الآراء السابقة، مؤكداً أن «الترفيه حاجة ملحة للشباب والأسر، خاصة بعد سنوات من الصراعات المسلحة والتوترات السياسية»؛ لكنه ربط قدرة الليبيين على الاستمتاع بهذه الفعاليات بـ«تحقيق استقرار حقيقي ومعالجة الأزمات المعيشية»، متسائلاً: «كيف يمكن للمواطن أن يستمتع وهو يعاني من كهرباء تشل حياته، ونقص وقود وسيولة، ويعاني من نقص العلاج».
وقلل دوغة ، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، مما وصفه بـ«محاولات الحكومات المتنافسة تسويق هذه الفعاليات بوصفها دليلاً على الاستقرار أو أملاً في تعزيز الشعبية»، لافتاً إلى أن «غياب بيانات رسمية عن حجم الإنفاق عليها يفتح الباب أمام تضخيم الأرقام وتصاعد الغضب الشعبي».
وعلى مدار العامين الماضيين، رعت حكومة حماد إقامة مهرجان ترفيهي في بنغازي بشرق البلاد، وهو ما عده البعض تجسيداً لحالة التنافس بين الحكومتين.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
تظل أزمة الكهرباء والخدمات الصحية الاختبار الأبرز لشرعية الإنفاق الحكومي في نظر الشارع الليبي، حيث يربط المواطنون بين تحسين جودة حياتهم اليومية وتوجيه الإيرادات نحو قطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية. وبينما تسعى الحكومة لتقديم مشاريع ترفيهية كجزء من خططها للتنمية والترويج السياحي، يبقى التحدي قائماً في كيفية الموازنة بين الحاجة إلى الترفيه والضرورة الملحة لإصلاح المرافق التي تمس جوهر الاستقرار المعيشي.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.