كشف أول مسح حكومي للفقر متعدد الأبعاد في السودان أن 82.8% من المواطنين عاشوا ظروفاً معيشية صعبة للغاية قبل اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وهو ما يدل على حجم المشكلات التي كانت تواجهها البلاد قبيل انزلاقها في أوسع أزمة إنسانية في تاريخها المعاصر.

يعاني السودان من عقود من التهميش التنموي والصراعات الداخلية، مما جعله من بين أفقر دول العالم حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

معاناة وجوع يرتسمان في محيا سودانية بمخيم الحمانية للنازحين جنوب كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
معاناة وجوع يرتسمان في محيا سودانية بمخيم الحمانية للنازحين جنوب كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وكشف المسح، الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء، أن مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد بلغ 0.441، فيما وصلت شدة الفقر إلى 53.3 في المائة، ما يعني أن الفقراء كانوا يعانون في المتوسط من أكثر من نصف أوجه الحرمان التي يقيسها المؤشر. واعتمد المسح لأول مرة منهجية الفقر المتعدد الأبعاد، التي تقيس الحرمان في مجالات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والتشغيل عبر 14 مؤشراً، بدلاً من الاكتفاء بقياس مستوى الدخل.

وبينت البيانات أن نقص الخدمات الصحية يعد أبرز أوجه الفقر، حيث يواجه 97.3% من السودانيين صعوبة في الوصول إلى الرعاية الطبية، يليه غياب خدمات الصرف الصحي بنسبة 86.9%، ثم مشكلة وقود الطهي بنسبة 64.9%، ليكون القطاع الصحي أكبر مساهم في زيادة مؤشر الفقر.

وعلى المستوى الجغرافي، تتصدر ولايات دارفور وكردفان قائمة الفقر، مع تسجيل ولاية وسط دارفور أعلى نسبة، تليها شرق دارفور، ثم جنوب كردفان وغرب كردفان وجنوب دارفور. في المقابل، سجلت الخرطوم والولاية الشمالية أدنى مستويات الفقر، لكن التقرير حذر من هشاشة أوضاعهما وإمكانية انزلاق سكانهما إلى الفقر عند أي صدمة.

طفلة سودانية لاجئة من إقليم دارفور في مخيم تولوم للاجئين بشرق تشاد (رويترز)
طفلة سودانية لاجئة من إقليم دارفور في مخيم تولوم للاجئين بشرق تشاد (رويترز)

كما كشف المسح عن انتشار واسع للفقر الحاد، إذ يعيش أكثر من ثلاثة أرباع سكان ولايتي شرق ووسط دارفور في فقر شديد متعدد الأبعاد، فيما تجاوزت النسبة 70في المائة في جنوب وغرب كردفان وجنوب دارفور، بما يعكس اتساع الفجوات التنموية بين أقاليم البلاد. وأكد الجهاز المركزي للإحصاء أن نتائج المسح، الذي نُفذ بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، تمثل خط الأساس الأخير قبل الحرب، وستشكل مرجعاً لقياس تأثير النزاع على مستويات الفقر والتنمية خلال السنوات المقبلة.

وتشير نتائج المسح إلى أن الأزمة الحالية تضاعف معاناة السكان، خاصة في المناطق المتضررة من النزاع مثل دارفور وكردفان. ومن المتوقع أن تكون مستويات الفقر قد ارتفعت بشكل كبير بعد الحرب، مع نزوح الملايين وتدمير البنية التحتية. وستكون هذه البيانات أساساً لتقييم حجم الكارثة الإنسانية وتوجيه جهود الإغاثة وإعادة الإعمار في المستقبل. وتؤكد المنظمات الدولية أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع حاجة ماسة للمساعدات وسط نقص حاد في التمويل.