التنافس المغاربي بين الرباط والجزائر يعيد رسم ملامح العلاقات الدبلوماسية الأوروبية
تُبرز الزيارات رفيعة المستوى هذا الشهر كيف أن المنافسة المحتدمة بين المغرب والجزائر باتت تملي السياسة الخارجية الأوروبية في جميع أنحاء منطقة المغارب بشكل متزايد.
بقلم: عبد القادر شريف
أستاذ مساعد في الدراسات الأفريقية ومتعددة الثقافات في جامعة جنوب إلينوي.
نُشر في 22 يوليو 2026
مديرة الوكالة الفرنسية للتنمية كاثرين بونو ووزيرة الاقتصاد والمالية المغربية نادية فتاح العلوي توقعان وثائق بينما يراقب كل من وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولان ليسكور ورئيسي الوزراء سباستيان لوكورنو عزيز أخنوش، في الرباط، في 16 يوليو 2026 (وكالة فرانس برس)
هذا الشهر، أظهرت ثلاث زيارات رفيعة المستوى في غضون ستة أيام كيف أن التنافس بين المغرب والجزائر بات يشكل بشكل متزايد سياسات الحكومات الأوروبية في منطقة المغرب العربي.
في يومي 15 و16 يوليو، قاد رئيس الوزراء الفرنسي سباستيان لوكورنو وفداً وزارياً كبيراً إلى المغرب، مما عزز التقارب السريع بين باريس والرباط. وفي الوقت ذاته تقريباً، كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في برلين سعياً لتوطيد شراكة الجزائر مع ألمانيا. وبعد أربعة أيام، وصل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر العاصمة، مواصلاً الجهود لإصلاح العلاقات التي توترت جراء تحول مدريد نحو المغرب.
تتمثل خط الصدع الرئيسي في هذا التنافس في الصحراء الغربية. إذ سيطر المغرب على معظم الإقليم وجعل دعم ادعائه بالسيادة، أو مقترح الحكم الذاتي الخاص به، اختباراً مركزياً لشراكاته الخارجية. وفي المقابل، تدعم الجزائر مطالب جبهة البوليساريو بالاستقلال، وقد ردت بحدة عندما أيدت الحكومات الأوروبية موقف الرباط بشأن الإقليم.
يتمتع كلا البلدين بنفوذ كبير. فالصادرات والمغرب يقدمان الاستخبارات والتعاون في مكافحة الإرهاب، والمساعدة في إدارة الهجرة، وفرص الاستثمار، وإمكانية الوصول إلى شبكاتهما الاقتصادية في إفريقيا. بينما تمتلك الجزائر احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، وسوقاً محلياً واسعاً، ونفذاً كبيراً في الأمن والدبلوماسية في المغرب العربي ومنطقة الساحل.
وبالتالي، لا يمكن للحكومات الأوروبية إدارة العلاقتين بشكل معزول. فالقرارات التي تعزز العلاقات مع أحدهما يمكن أن تعيد صياغة تعاونها الدبلوماسي والاقتصادي والأمني مع الآخر.
وتقدم فرنسا المثال الأوضح على ذلك.
في عام 2024، دعم الرئيس إيمانويل ماكرون السيادة المغربية على الصحراء الغربية ووصف مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه أساس لحل النزاع. وقد ساعد هذا القرار في إنهاء فترة طويلة من التوتر بين باريس والرباط، لكنه أثار أزمة فورية مع الجزائر التي استدعت سفيرها.
وأظهرت زيارة لوكورنو أن فرنسا لا تعتبر تحولها في عام 2024 مجرد تنازل دبلوماسي محدود، بل إنها تبني شراكة استراتيجية أوسع مع المغرب حوله.
وقد عززت الحكومتان التعاون في مجالات الطاقة، والاستثمار، والأمن، والهجرة، والتعليم، والبنية التحتية. كما ناقشتا مشروع ربط كهربائي مباشر يمكن أن ينقل الطاقة المتجددة من المغرب إلى فرنسا، وواصلتا الاستعدادات لمعاهدة ثنائية مستقبلية.
بالنسبة لفرنسا، يُعد المغرب شريكاً مستقراً نسبياً في وقت تراجع فيه النفوذ الفرنسي في جزء كبير من منطقة الساحل. فقد طردت عدة حكومات في المنطقة القوات الفرنسية، أو خفضت مستوى العلاقات مع باريس، أو سعت وراء شركاء أمنيين بديلين. في المقابل، وسّع المغرب حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في غرب إفريقيا من خلال الخدمات المصرفية، والاتصالات، والبناء، والتعاون الديني والأمني.
لذلك، تقدم الرباط لباريس وسيلة للحفاظ على نفوذها في إفريقيا مع تطوير مشاريع تجارية وطاقة وأمنية جديدة. وفي المقابل، يحصل المغرب على استثمار وهيبة دبلوماسية ومزيد من الدعم الدولي لموقفه بشأن الصحراء الغربية.
ولعل عمق الالتزام الفرنسي يظهر بوضوح أكبر فيما تبدو باريس مستعدة لتجاهله.
فأثناء زيارة لوكورنو للمغرب، عززت تقارير جديدة مزاعم تفيد بأن الاستخبارات المغربية استخدمت برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس" ضد مسؤولين فرنسيين كبار، بما في ذلك لوكورنو نفسه عندما كان يشغل منصب وزير الجماعات المحلية في الحكومة. وقد نفت المغرب مراراً اقتناء أو استخدام برنامج "بيغاسوس".
ولم تعطل هذه المزاعم الزيارة، إذ احتفلت الحكومتان علناً بتعاونهما الأمني وواصلتا الاستعداد لشراكة استراتيجية أوسع، مما يبرز الأهمية التي توليها باريس الآن لعلاقتها مع الرباط.
وقد ترتبت على هذا الخيار كلف باهظة.
فقد كانت علاقات فرنسا مع الجزائر مثقلة أصلاً بنزاعات تتعلق بالتاريخ الاستعماري والهجرة والأمن. وأدى قرار ماكرون بشأن الصحراء الغربية إلى تعميق تلك التوترات المتكررة لتتحول إلى قطيعة استراتيجية أوسع.
وتعطل التعاون الأمني، وواجهت الشركات الفرنسية عقبات متزايدة، واستُبعد القمح الفرنسي إلى حد كبير من مناقصات الاستيراد الجزائرية. ومنذ ذلك الحين، أعادت باريس والجزائر فتح الحوار بحذر، لكن فرنسا لم تظهر أي استعداد للتراجع عن السياسة التي تسببت في الأزمة.
لم تقم الجزائر بإجبار فرنسا على تغيير موقفها، لكنها أطلقت إشارة واضحة على أن التوافق مع المغرب يمكن أن يعيد تشكيل علاقة فرنسا الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع الجزائر.
وقد واجهت إسبانيا الضغوط نفسها بعد اتخاذ خيار مماثل.
ففي عام 2022، تخلت حكومة سانشيز عن الحياد الإسباني السابق ووصفت مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل نزاع الصحراء الغربية. وقد ساعد هذا القرار مدريد على إصلاح نزاع مدمر مع الرباط، لكنه أثار رداً عكسياً فورياً من الجزائر.
حيث استدعت الجزائر سفيرها، وعلقت معاهدة الصداقة المبرمة مع إسبانيا منذ عقدين، وأوقفت معظم التجارة غير المرتبطة بالغاز. وانهارت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر، على الرغم من أن الجزائر واصلت الوفاء بعقود الغاز الخاصة بها.
ومرة أخرى، لم تستطيع الجزائر إجبار حكومة غربية على التراجع عن سياستها، لكنها استطاعت إجبار تلك الحكومة على تعديل دبلوماسيتها الإقليمية الأوسع.
ومنذ ذلك الحين، حاولت إسبانيا إصلاح العلاقات مع الجزائر دون التضحية بشراكلتها المتجددة مع المغرب. وقد شكلت زيارة سانشيز للجزائر في 20 يوليو العلامة الأوضح حتى الآن على إعادة المعايرة هذه، حيث اتفقت الحكومتان على إحياء الآليات الثنائية رفيعة المستوى وتعميق التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والهجرة والأمن.
المصدر الأصلي: الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.