إسطنبول/ الأناضول

ضمت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، يوم الثلاثاء، مدينة صور التاريخية الواقعة في جنوب لبنان إلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، نتيجة تعرض موقعها لأضرار مباشرة واستمرار التهديدات المرتبطة بالهجمات الإسرائيلية.

تأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الدولية الرامية إلى حماية المواقع التاريخية والثقافية المدرجة ضمن التراث الإنساني المشترك وقت الأزمات.

وانعقد هذا الإجراء خلال أعمال الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، مستجيباً لطلب قدمته الحكومة اللبنانية بهدف تفعيل سبل الحماية الدولية للموقع.

وتتعرض مدينة صور ومناطق أخرى في جنوب لبنان لهجمات إسرائيلية متواصلة منذ تصاعد الحرب في مارس/ آذار 2026، ما أسفر عن أضرار في المواقع المدنية والتاريخية ونزوح السكان من مناطق واسعة.

وأوضحت اللجنة في نص قرارها أن العمليات العسكرية المتواصلة داخل الأراضي اللبنانية "لا تزال تشكل تهديدا للموقع وتتسبب في إلحاق أضرار به".

وأضافت أن الظروف اللازمة لضمان حفظ وحماية "القيمة العالمية الاستثنائية" لآثار صور لم تعد متوافرة، وأن الموقع بات يواجه "خطرا متحققا وآخر محتملا"، وفقا للمعايير المعتمدة لإدراج المواقع على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

وأظهرت الوثائق التي استند إليها القرار أن السلطات اللبنانية أبلغت اليونسكو بتعرض المنطقة الواقعة عند مدخل أحد مكونات الموقع الأثري لضربة في 7 يونيو/ حزيران الماضي.

وأسفرت الضربة عن أضرار طالت مبنى تاريخيا، ومولدات كهربائية مجاورة، ومكاتب تابعة للمديرية العامة للآثار، إضافة إلى القطاع الجنوبي الشرقي من الموقع الأثري.

كما تضررت عناصر أثرية تقع في محيط موقع الضربة، بينها أعمدة وتيجان أثرية وألواح فسيفساء، فضلا عن هياكل أثرية داخل الموقع تحتاج إلى تقييم ميداني شامل.

ووفقا للوثيقة، لم تتمكن الجهات المعنية من تحديد النطاق الكامل للأضرار بسبب الوضع الأمني، وتعذر الوصول الآمن إلى أجزاء من الموقع.

كما أفادت السلطات اللبنانية بأن الأضرار امتدت إلى مستودعات أثرية تضم مجموعات ووثائق مرتبطة بالموقع.

وفي 17 يونيو/ حزيران الماضي، طلب وزير الثقافة اللبناني من اليونسكو إدراج آثار صور على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، مشيرا إلى تعرض الموقع لهجمات متكررة وخطورة الوضع المحيط به.

- خطر قائم ومحتمل

وخلص مركز التراث العالمي، الذي يمثل الأمانة الفنية والإدارية لليونسكو، والمجلس الدولي للمعالم والمواقع "إيكوموس"، والمركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية "إيكروم"، وهما هيئتان استشاريتان لليونسكو، إلى أن الأضرار الموثقة تمثل "خطرا متحققا" على الموقع.

ورأت الهيئات الثلاث أيضا أن استمرار هشاشة الوضع الأمني واحتمال وقوع ضربات جديدة يمثلان "خطرا محتملا" يهدد القيمة العالمية الاستثنائية لآثار صور.

وأشارت إلى أن الموقع يقع ضمن منطقة خضعت لأوامر إخلاء متواصلة في نطاق مدينة صور، ما يزيد من مخاطر تعرضه لمزيد من الأضرار.

وأضافت أن الظروف الأمنية تحول دون الوصول الآمن إلى الموقع لرصد الأضرار وتقييمها وتنفيذ تدخلات وقائية عاجلة.

ودعت لجنة التراث العالمي جميع الأطراف المنخرطة في الأعمال العدائية إلى الامتناع عن اتخاذ أي إجراء قد يلحق مزيدا من الضرر بالموقع، والالتزام بالقانون الدولي واتخاذ التدابير الممكنة لحمايته.

وذكّرت اللجنة بأن الدول الأطراف في اتفاقية التراث العالمي ملزمة بعدم اتخاذ إجراءات متعمدة تلحق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أضرارا بمواقع التراث العالمي الواقعة في أراضي دول أخرى.

- بعثة دولية لتقييم الأضرار

وطلبت اللجنة من الحكومة اللبنانية دعوة بعثة رصد مشتركة من مركز التراث العالمي و"إيكوموس"، بمجرد أن تسمح الظروف الميدانية بذلك.

ومن المقرر أن تتولى هذه البعثة تقييم حالة الموقع، وتحديد الإجراءات التصحيحية المطلوبة، ووضع جدول زمني لتنفيذها، إلى جانب تحديد الحالة المرجوة التي تسمح مستقبلا بإزالة آثار صور من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

كما طلبت اللجنة من لبنان تقديم تقرير محدث إلى مركز التراث العالمي، بحلول 1 فبراير/ شباط 2027، بشأن حالة الموقع والإجراءات المتخذة لحمايته، على أن تبحثه اللجنة في دورتها الـ49.

وتخضع آثار صور لآلية الرصد التفاعلي التابعة لليونسكو منذ عام 1992.

وكانت لجنة التراث العالمي قد أعربت خلال دورتها السابقة عام 2025 عن قلقها إزاء الأضرار التي لحقت بالموقع ومحيطه جراء الأعمال العدائية، ودعت إلى إجراء إصلاحات عاجلة وتقييمات هيكلية مفصلة متى سمحت الظروف بذلك.

ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أُدرجت المواقع الأثرية في صور مؤقتا على القائمة الدولية للممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية المعززة، بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلح.

وتضم مدينة صور موقعين أثريين مدرجين على قائمة التراث العالمي منذ عام 1984، ويضمان آثارا تعود إلى حضارات متعددة، بينها بقايا من العصرين الفينيقي والروماني.

وتشمل معالم المدينة قوس نصر، وطريقا رومانية، ومضمارا لسباق الخيل يعود إلى القرن الثاني الميلادي، إلى جانب أعمدة وفسيفساء ومنشآت أثرية أخرى.

من جانبه، أعرب وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة عن شكره لمنظمة اليونسكو ولجنة التراث العالمي لإدراج موقع صور الأثري ومحيطه على قائمة المواقع المهددة بالخطر.

وكتب عبر حسابه على منصة "إكس": "كل الشكر للجنة التراث العالمي التي أدرجت اليوم، بناء على طلب الحكومة اللبنانية، موقع صور الأثري على قائمة المواقع المهددة بالخطر".

وأضاف أن "هذا الإدراج من شأنه أن يوجه اهتمام اليونسكو والدول الأعضاء إلى موقع بالغ الأهمية في تاريخ المنطقة، التي تشهد حاليا نزاعات قد تلحق به أضرارا".

ومنذ 2 مارس/ آذار 2026، تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان، ما أسفر عن مقتل 4 آلاف و328 شخصا وإصابة 12 ألفا و230 آخرين، وفق وزارة الصحة اللبنانية، فيما لا تزال تحتل مناطق في جنوب البلاد رغم الاتفاق.

ولا تزال إسرائيل تحتل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ المواجهات التي شهدتها البلاد بين عامي 2023 و2024، كما توغلت خلال العدوان الحالي لأكثر من 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

يمثل إدراج المواقع على قائمة التراث المعرض للخطر آلية أممية تهدف إلى حشد الدعم الدولي وتوفير الحماية القانونية والتقنية للممتلكات الثقافية المتضررة من النزاعات المسلحة. ومع استمرار التحديات الأمنية التي تعيق الوصول الميداني الكامل لتقييم الخسائر، يبقى رصد حالة المواقع الأثرية وتوثيق الأضرار أولوية للجهات المعنية بالتراث العالمي. وتستمر منظمات الأمم المتحدة في متابعة تطورات الأوضاع الميدانية وتأثيراتها المحتملة على البنى التاريخية والمؤسسات الإدارية المشرفة على قطاع الآثار. ويسلط هذا القرار الضوء على أهمية الالتزام بالمواثيق الدولية التي تحمي التراث الثقافي في مناطق النزاع لضمان نقله للأجيال القادمة.