منتدى

الحارة والسلوكيات التربوية

ابن الحسن والنور عبدالجليل

تاريخ النشر: 09 يوليو 2026 00:19 KSA

AA

تبدأ الأسرةُ بأبٍ وأُمٍّ، وتكبرُ بصلة الرَّحم حتَّى تصبح مجتمعًا. وكانت «الحارةُ» هي الصورة الأجمل لهذا المجتمع.

الحارة لم تكن أحجارًا فقط، كانت بيتًا كبيرًا مفتوح الأبواب. فيها البَرَحةُ التي تعلِّم الأطفال اللَّعب والمشاركة، وتحمُّل الخسارة. وفيها الروشان الذي تطلُّ منه الجَدَّة، والمركازُ الذي يجلس عليه كبير السِّن، فكانُوا معًا عينًا ساهرةً، ويدًا حكيمةً تفضُّ النِّزاع قبل أنْ يكبر، وتحمي الطفل من كلِّ غريب. في دكاكينها الصغيرة وأفرانها كان النَّاسُ يعرفُون بعضهم بالاسم. فنشأت أجيالٌ على معنى واحد: احترام الكبير، ونُصرة المحتاج، والوقوف مع الجار في الفرح قبل الحزن. كانت القِيم تُمارس لا تُحفظ.

اليوم تغيَّر المشهد. سكنَّا أحياءً حديثة واسعة وآمنة، لكنَّنا فَقَدنَا معها أشياء مهمَّة. لا بَرَحة يجتمع فيها الأطفالُ، ولا جار يطرق الباب للاطمئنان، ولا «عمدة» يمثِّل أبوة الجميع. صار الطفلُ بين شقته وشاشته، والتربية صارت مهمَّة فرديَّة ضاقت مساحتها. وهنا يأتي التحدِّي الأكبر: نحنُ مقبلُون على مستقبل تقنيٍّ سريع. الذكاء الاصطناعي، والمدن الذكيَّة، والشاشات التي لا تنام. هذه أدوات عظيمة إذا أحسنا استخدامها، لكنَّها قد تتحوَّل إلى خطر إذا سلخت الإنسان من إنسانيته. يصبح الشخص آلةً تنفذ دون أنْ تشعر، وتتحرَّك دون بوصلة أخلاقيَّة، ويغيب عنه ما أمرنا به دينُنا الحنيف من رحمة ومسؤوليَّة وتراحم. فما الحل؟ الحل ليس أنْ نختار بين الماضي والمستقبل، بل أنْ نوازن بينهما. نحتاج في أحيائنا الجديدة أنْ نصمم «بَرَحة عصريَّة»: ساحات آمنة، وأندية حيٍّ، ومساحات يلتقي فيها الجيرانُ. ونحتاج أنْ نعيد لكبار السِّن مكانتهم كمرجعيَّة، لا كذكرى. ونحتاج أنْ نستخدم التقنية لخدمة التواصل لا لقطعه. تطبيق للحيِّ، مجموعة لجيران العمارة، كاميرا تحمي ولا تتجسس. إذا نجحنا في هذا التوازن، سنصنعُ جيلًا يفهم التقنية ولا تصنعه، ويحمل قِيم الحارة في جيب هاتف ذكي. جيل يعرف أنَّ الإنسان قبل الآلة، وأنَّ الأخلاق قبل السرعة. القادم أجمل -بإذن الله-، إذا حافظنا على روحنا ونحن نمضي إليه.

منتدى