"المدمرات مقابل القواعد" 

قبل الغوص أكثر في أماكن انتشار القوات الأميركية وأهم قواعدها في الخارج، لا بد من العودة أولاً إلى كواليس بداية التوسع العسكري الأميركي، فعلى مدى عقود قبل الحرب العالمية الثانية، التزمت الولايات المتحدة الحياد إزاء الأزمات العالمية ورفضت التدخل عسكرياً في الصراعات الخارجية، حتى إن قادتها رفضوا الدخول في عصبة الأمم التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى لاعتبارات كثيرة. غير أن المشهد تبدل تماماً في غضون أعوام قليلة، فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتدام الصراع، تحولت الولايات المتحدة من قوة نائمة إلى أقوى دولة في العالم مع أساطيل عسكرية منتشرة في كل أنحاء الكرة الأرضية. فكيف بدأ هذا التوسع الأميركي؟

رسالة تشرشل الأولى

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا تملك أقوى أسطول بحري في العالم، لكن تقدم الألمان شكل تهديداً كبيراً للحلفاء، لا سيما جراء الغواصات الألمانية التي عرفت باسم "U-boats " وكانت تستخدمها برلين لاستهداف السفن التجارية التي تحمل الغذاء والبضائع والإمدادات للدول المعادية لا سيما بريطانيا. شكل ذلك تهديداً كبيراً للندن التي أرادت الحفاظ على تفوقها البحري وحماية سفنها والتصدي لأي توغل ألماني محتمل، لذلك كانت في أمس الحاجة إلى المدمرات بعدما فقدت 11 مدمرة من أصل 179 تملكها وبينما يستغرق تصنيعها ما لا يقل عن عام.

في ضوء الواقع المأزوم، أرسل رئيس الوزراء البريطاني ونستن تشرشل رسالة إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، يسأله فيها تزويد بلاده بـ40 أو 50 مدمرة من بين الأقدم في الأسطول الأميركي، على أن يكون ثمنها بمثابة دين إذ لم تكن للندن حينها القدرة على السداد.

الموقف الأميركي

سريعاً ومن دون تردد رفض فرانكلين الطلب البريطاني لعدة أسباب، بما فيها التزام الولايات المتحدة الحياد والخشية من إثارة غضب الرأي العام الرافض للتدخل في حروب الآخرين لا سيما والبلاد على أعتاب انتخابات رئاسية، فضلاً عن أن العدد المطلوب يمثل نحو 20 في المئة من مدمرات البحرية الأميركية، وهي سفن ستكون الولايات المتحدة في حاجة شديدة إليها لحماية نفسها من أي هجوم ألماني محتمل إذا تصاعد الصراع، خصوصاً أن الرئيس الأميركي كان يعتقد أن بريطانيا ستعجز عن وقف الغزو النازي، ومن ثم ماذا سيحصل للولايات المتحدة إذا أرادت برلين الانتقام من الأميركيين بسبب مساندتهم للندن؟

عملية المنجنيق

في الـ14 من يونيو (حزيران) 1940، وجدت بريطانيا نفسها في موقف حرج عسكرياً إذ دخلت القوات الألمانية في ذلك اليوم إلى باريس مما دفع فرنسا إلى طلب هدنة فورية، فخسرت لندن بذلك أحد أبرز حلفائها وضاقت الخيارات أمامها. أمام واقع الأمر، أطلق تشرشل في الثالث من يوليو (تموز) "عملية المنجنيق"، وهي عملية سعت فيها القوات البريطانية إلى مصادرة أصول فرنسا البحرية طوعاً أو بالقوة وإلا تدميرها، كي لا تقع بأيدي الألمان وللمحافظة على تفوق الأسطول البريطاني الذي كان قد خسر 18 مدمرة إضافية.

الاتفاق التاريخي

في الـ31 من يوليو، جدد تشرشل مساعيه مع الأميركيين للحصول على مدمرات برسالة جديدة إلى روزفلت قال له فيها، "سيدي الرئيس، بكل احترام، نظراً إلى تاريخ العالم الطويل هذا شيء يجب إتمامه الآن". هذه الرسالة تزامنت مع تبدل في الموقف الأميركي، فبعد سقوط فرنسا أصبحت إدارة روزفلت أكثر اقتناعاً بأنه من الأفضل تزويد بريطانيا بالمدمرات حتى تتمكن من هزيمة الألمان وإلا سيوجه هتلر جيوشه من ثم إلى الولايات المتحدة. انطلاقاً من هذه القناعة، بدأت واشنطن البحث عن اتفاق مربح للطرفين تتمكن أميركا من خلاله من الحصول على قواعد في المحيط الأطلسي ومنطقة الكاريبي تتيح لها تعزيز أمنها، مقابل حصول بريطانيا على مدمرات أميركية قديمة تعود لحقبة الحرب العالمية الأولى لكنها تمثل إضافة عسكرية مهمة للغاية بالنسبة إلى البريطانيين.

بالفعل، نجح تشرشل في إبرام الاتفاق مع روزفلت، فتسلمت بريطانيا المدمرات الأميركية محملة بالذخائر والطعام وغيرها من الإمدادات، فيما تسلمت الولايات المتحدة قواعد في كل من المستعمرات البريطانية الثمانية نيوفاوندلاند وبرمودا وباهاماس وجامايكا وسانت لوسيا وترينيداد وأنتيغا وغوانا البريطانية، ومنحها الاتفاق السيطرة عليها لمدة 99 عاماً.

شكلت هذه القواعد حصوناً ساعدت الولايات المتحدة في حماية أراضيها من أي هجوم نازي، فضلاً عن حماية المستعمرات البريطانية وقناة بنما وشمال وجنوب القارة الأميركية. وعلى رغم أن هذا الاتفاق الذي عرف بـ"صفقة المدمرات مقابل القواعد" (Destroyers for bases deal)، جاء قبل نحو عام من دخول الولايات المتحدة رسمياً في الحرب العالمية، فإنه شكل نقطة البداية في تخلي الولايات المتحدة التدريجي عن حيادها وأطلق عصر التوسع العسكري الأميركي في العالم.