منتدى

المنتخب والتجنيس… حل أم مشكلة؟

أ.د. فوزي بن عناد العتيبي

تاريخ النشر: 11 يوليو 2026 16:46 KSA

AA

نعيش هذه الأيام أجواء مونديال عالمي لكرة القدم، وهي لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت مرآة تعكس مستوى التخطيط، وجودة المؤسسات، وثقافة المجتمع. ولهذا، فإن نتائج المنتخبات الوطنية لا تُقرأ بوصفها مجرد مباراة داخل المستطيل الأخضر، وإنما بوصفها انعكاسًا لمستوى العمل الرياضي وجودة مخرجاته.

وبعد مشاركة منتخبنا الوطني، التي كنا نطمح أن تكون أفضل، برزت موجة واسعة من الآراء والمقترحات بحثًا عن حلول لرفع مستوى تنافسية المنتخب على الساحة العالمية. ومن بين أكثر الطروحات تداولًا قضية التجنيس، حتى بدا للبعض وكأنه الحل الأسرع والأنجع. بيد أن التجنيس ليس وصفة جاهزة، ولا مشروعًا سهلًا ينجح بمجرد استقدام لاعبين يحملون جنسية الدولة، دون النظر إلى تبعاته وأبعاده الأخرى. فالذين يستشهدون بتجارب بعض المنتخبات الأوروبية، مثل فرنسا، يغفلون أن نجاحها لم يكن قائمًا على منح الجنسية فحسب، بل على منظومة متكاملة صنعت لاعبين قصدوا البلد ابتداءً، ونشؤا داخل مجتمعه، وتشرّبوا ثقافته، وتدرجوا في مدارسه الكروية، فأصبحوا يمثلون الوطن انتماءً قبل أن يمثلوه قانونًا. ولهذا أخفقت بعض التجارب الخليجية التي اعتمدت على التجنيس؛ لأنها لم تراعِ هذه المعايير.

وفي مقدمة تلك المعايير أن يكون قد تعايش في البلد، وتفاعل مع مجتمعه، وتشرَّب ثقافته. وهذا هو المعنى الراسخ للانتماء الذي أشار إليه علماؤنا منذ قرون. فقد جعل ابن حزم الأندلسي، في تصنيفه لعلماء الأندلس من غيرهم، المعيار ليس مكان الميلاد، وإنما التعايش، والتفاعل، والإسهام في نهضة البلاد، ولذلك قال: "فمن هاجر إلينا من سائر البلاد، فنحن أحقُّ به". إنه معيار يجعل الانتماء ثمرة معايشة لثقافة البلد، ومشاركة في بنائه، لا مجرد انتساب شكلي. وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن يُستحضر عند الحديث عن التجنيس فالقيمة ليست في حمل الجنسية، وإنما في حمل هوية الوطن، والإيمان برسالته، والشعور بأن لهذا الوطن فضلًا يستحق الوفاء. لهذا، فإن التجنيس -إن كان مطروحًا رياضيًا- ينبغي ألا يكون قرارًا ارتجاليًا أو استجابة لضغوط آنية بعد كل إخفاق، بل خيارًا استثنائيًا واستراتيجيًا تحكمه معايير دقيقة؛ لأن أبعاده تتجاوز كرة القدم إلى المجتمع وثقافته وهويته. فالمطلوب ليس مجرد لاعب يحمل جواز السفر، وإنما إنسان يحمل الوطن في وجدانه، ويضيف إليه قبل أن يطلب منه. والله أعلم.