لم يكن في حسبان الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، حين عين توماس توخيل مدرباً للمنتخب، أن يودع البطولة الكبرى بهذه الخيبة، لكن ذلك ما جرى بعد الهزيمة أمام الأرجنتين رغم التقدم المبكر. كلفه خطأ تكتيكي خسارة المباراة بهدفين لواحد في الدقائق الأخيرة، وحرمه من بلوغ نهائي المونديال. وكان يفترض أن ينظر توخيل إلى البطولة الدولية المقبلة بتفاؤل، إلا أن الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم – وفقاً لديل جونسون في بي بي سي – لا يبدو إنجازاً يُحتفى به حالياً.

يمثل الخروج من نصف النهائي نكسة للطموحات الإنجليزية التي طال انتظارها.

ستكون المباراة المقبلة ضد إسبانيا على ملعب ويمبلي في 26 سبتمبر (أيلول) ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية. كان من الممكن، بل من المفترض، أن تكون هذه المباراة تكراراً لنهائي كأس العالم يوم الأحد، لو فازت إنجلترا على الأرجنتين. ستواجه إنجلترا أيضاً التشيك وكرواتيا، خصمها اللدود، في دوري الأمم الأوروبية. ثم يشهد العام المقبل التصفيات المؤهلة لبطولة كأس الأمم الأوروبية 2028، التي سيشارك فيها منتخب إنجلترا رغم كونه أحد الدولتين المضيفتين. والآن، يتعين على توخيل، الذي تم تمديد عقده مع إنجلترا، إيجاد طريقة لإعادة بناء فريقه وفلسفته التدريبية. وهناك أسئلة جوهرية يتعين على المدير الفني البالغ من العمر 52 عاماً الإجابة عنها.

هل عدم وجود بديل لكين يمثل مشكلة في البطولات المقبلة؟ (أ.ب)

هل عدم وجود بديل لهاري كين يمثل مشكلة؟

كان هاري كين في أوج عطائه الكروي في الدوري الألماني الموسم الماضي، حيث سجل 61 هدفاً في جميع المسابقات، لكن الوقت ليس في صالح مهاجم بايرن ميونخ، الذي سيبلغ 33 عاماً في 28 يوليو (تموز) الحالي. وقال قائد المنتخب الإنجليزي، الذي سجل ستة أهداف في كأس العالم، بعد الخسارة أمام الأرجنتين إنه «من السابق لأوانه» الحديث عن اللعب في مونديال 2030. مع ذلك، من المؤكد أن كين سيكون حاضراً في بطولة كأس الأمم الأوروبية 2028، وقد يختم مسيرته الدولية برفع الكأس على أرضه.

وبالتالي، لا يُتوقع أن تشكّل هوية المهاجم الأساسي مشكلة ما دام كين لائقاً، وتتمثل المهمة الأهم لتوخيل في إعداد خطة بديلة أو إيجاد بديل جاهز. وقد جرب فيل فودين كمهاجم وهمي أمام أوروغواي في مارس، لكن أداءه لم يرقَ إلى التوقعات، بل واستُبعد من تشكيلة كأس العالم. أما أولي واتكينز وإيفان توني، فلم يشاركا سوى كبديلين في مباراة واحدة لكل منهما، واكتفى واتكينز – رغم كونه الهداف الإنجليزي الأكثر تسجيلاً في الدوري الممتاز الموسم الماضي بـ16 هدفاً – بست دقائق فقط أمام بنما.

وقد خاض هاري كين كل دقائق المباريات باستثناء الوقت بدل الضائع أمام المكسيك حيث حل محله مورغان روجرز. أما توني، وهو في الثلاثين من عمره مثل واتكينز، فلم يشارك سوى في الدقائق الأخيرة من الوقت بدل الضائع أمام الأرجنتين. ويُظهر ذلك اعتماداً مفرطاً على كين، ما يستدعي البحث عن بدائل لتخفيف الأعباء مع اقترابه من الخامسة والثلاثين. ولم يشارك مع المنتخب الإنجليزي في الأشهر الاثني عشر الماضية سوى دومينيك سولانكي (28 عاماً) ودومينيك كالفيرت لوين (29 عاماً) كمهاجمين آخرين.

وكان واتكينز، وكالفيرت لوين لاعب ليدز (14 هدفاً)، وداني ويلبيك مهاجم برايتون البالغ من العمر 35 عاماً (13 هدفاً) هما المهاجمين الإنجليزيين الوحيدين اللذين سجلا أكثر من عشرة أهداف في الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي. لا يُساعد عامل السن أياً من هؤلاء اللاعبين، ومن غير الواضح ما إذا كان هناك لاعب شاب صاعد قادر على سد هذا الفراغ.

كان يُؤمل أن يكون إيدي نكيتياه، الهداف التاريخي لمنتخب إنجلترا تحت 21 عاماً، المهاجم الواعد القادم من فرق الشباب. لكن لاعب آرسنال السابق لم يُسجل سوى خمسة أهداف في الدوري الإنجليزي خلال موسمين مع كريستال بالاس. ربما يجد ليام ديلاب، الذي لم يتجاوز عمره 23 عاماً، والذي سجل 12 هدفاً في الدوري الإنجليزي مع إيبسويتش تاون في موسم 2024-2025، مكانه أخيراً في تشيلسي - أو في نادٍ جديد. قد تكون هذه هي مشكلة المدير الفني الذي سيتولى قيادة المنتخب الإنجليزي بعد كأس الأمم الأوروبية 2028، لأن توخيل قد يشعر بأن هاري كين قد يكفي لقيادة خط الهجوم الإنجليزي حتى هذه البطولة ونهاية عقده.

انتظر الإنجليز سنوات وسنوات حتى يتحقق حلم الفوز بكأس العالم مرة ثانية من دون جدوى (رويترز)

لماذا لا يثق توخيل بكوبي ماينو؟

يُعد عدم ثقة توخيل في لاعب خط وسط مانشستر يونايتد، كوبي ماينو، أحد أبرز سمات هذه البطولة. على عكس خط الهجوم، كان يتعين على توخيل أن يجري بعض التغييرات في خط الوسط في بعض الأحيان. لكن بدلاً من إشراك ماينو كبديل، اختار إشراك ريس جيمس أو نيكو أورايلي في مركز لاعب خط الوسط المدافع. وهكذا يعود ماينو إلى مانشستر يونايتد وهو لاعب خط الوسط الوحيد في القائمة الأصلية المكونة من 26 لاعباً الذي لم يلعب دقيقة واحدة في كأس العالم! وبالتالي، فإن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو: إذا كان توخيل لا يثق في ماينو كبديل، فلماذا ضمه إذن إلى القائمة من البداية؟ لدى إنجلترا أسباب وجيهة للتفاؤل بأن هذه المشكلة قد تكون مؤقتة. يبلغ ماينو من العمر 21 عاماً فقط، ولديه متسع من الوقت للتطور والتحسن، وكذلك الحال بالنسبة لخيارات إنجلترا الأخرى في هذا المركز.

وهناك أيضا آدم وارتون، لاعب كريستال بالاس البالغ من العمر 22 عاماً، الذي خاض أربع مباريات دولية، وكان من سوء حظه عدم الانضمام إلى القائمة لصالح ماينو. ودُعي أليكس سكوت، لاعب بورنموث البالغ من العمر 22 عاماً، للمشاركة في المعسكر التدريبي التحضيري للبطولة في فلوريدا، لكنه لا يزال ينتظر ظهوره الدولي الأول. يحتاج توخيل إلى إيجاد لاعب يثق به لتعزيز الخيارات البديلة في مركز خط الوسط المدافع، وإلا فسيضطر إلى الاعتماد على قلوب الدفاع في هذا المركز مرة أخرى خلال العامين المقبلين. أما بالنسبة لحراسة المرمى، فمن غير المتوقع أن يُمثل هذا المركز أي مشكلة في الوقت الحالي، حيث سيبلغ جوردان بيكفورد 34 عاماً عند انطلاق بطولة كأس الأمم الأوروبية. لكن ماذا بعد ذلك؟ من الواضح أن المنتخب الإنجليزي في أمس الحاجة لكي يلعب جيمس ترافورد، الذي وُصف بأنه خليفة بيكفورد على المدى الطويل، بانتظام بعد عام قضاه على مقاعد البدلاء في مانشستر سيتي.

هل كان تجديد عقد توخيل فكرة صائبة؟

أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عن تمديد عقد توخيل لمدة عامين قبل ساعات فقط من قرعة دوري الأمم الأوروبية في فبراير (شباط) الماضي. كان منطق الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بسيطاً، فقد رأى أن لديه مديراً فنياً من مستوى النخبة، وأراد ضمان خدماته لبطولة كأس الأمم الأوروبية على أرضه. كما أن ذلك سيمنع التكهنات التي لا تنتهي حول مستقبل توخيل قبل وفي أثناء كأس العالم. كان توخيل قد قاد المنتخب الإنجليزي للتأهل إلى كأس العالم بسجل مثالي، حيث حقق الفوز في المباريات الثماني التي لعبها دون أن تهتز شباكه. أما وجهة النظر المضادة فتتمثل في أن توخيل لم يحقق شيئاً على أرض الواقع، وأن الفوز بمجموعة تضم أندورا وألبانيا ولاتفيا وصربيا كان مجرد إجراء شكلي.

وفي المرة الوحيدة التي واجهت فيها إنجلترا منتخباً من بين أفضل 20 منتخباً في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، خسرت أمام السنغال في مباراة ودية على ملعب «سيتي غراوند». ورأى الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أن توخيل يمتلك الفطنة التكتيكية اللازمة لتجنب ما وُصف بأنه «سذاجة تكتيكية» من جانب المدير الفني السابق غاريث ساوثغيت. لكنّ الأمر تكرر، وربما بشكلٍ أكثر تدميراً أمام الأرجنتين. قال توخيل للاعبيه بين شوطي المباراة التي فازت فيها إنجلترا على كرواتيا بأربعة أهداف مقابل هدفين في دور المجموعات: «حتى لو خسرنا، فلنلعب بأسلوبنا». وكانت الدقائق الخمس والأربعون التالية ربما أفضل أداء لإنجلترا في كأس العالم، حيث قدمت كرة قدم هجومية ممتعة لم تستطع كرواتيا مجاراتها.

أما أداء الشوط الثاني أمام الأرجنتين فكان على العكس تماما من ذلك، فلماذا حدث هذا؟ قال قلب الدفاع مارك غويهي لـ«بي بي سي»: «كان يجب أن نواصل الضغط، لكن بعد أن سجلنا هدفاً شعرنا بأنه يتعين علينا التراجع والدفاع». والآن، ربما يحتاج توخيل إلى استعادة ثقة اللاعبين. وهناك العديد من الأسئلة الأخرى التي يجب على المدير الفني الألماني الإجابة عنها، وتحديداً فيما يتعلق بمركز الظهير الأيمن وقرار عدم الاستعانة بترينت ألكسندر أرنولد - حتى عندما كان تينو ليفرامينتو مصاباً عشية مباراة إنجلترا الأولى. لا يزال توخيل يحظى بدعم الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، لكنه ربما خسر بعض المؤيدين، ويتعين عليه أن يتحمل الانتقادات التي توجه إليه.

تعليمات توخيل للاعبيه خلال استراحة الترطيب لم تؤت ثمارها (د.ب.أ)

هل تعاني إنجلترا من مشكلة ذهنية؟

قال توخيل بانزعاج وهو يواجه الأسئلة بعد فوز إنجلترا على النرويج بهدفين مقابل هدف وحيد في الدور ربع النهائي: «العقلية! العقلية! هذا الأمر يتعلق تماما بالعقلية». هذا يعني أن معظم الحديث قبل مباراة الدور نصف النهائي كان يدور حول أن هذا المنتخب الإنجليزي لن يستسلم لتداعيات الهزائم السابقة. لكن ما حدث هذه المرة لم يكن هزيمة مشرفة، بل كان أشبه بالاستسلام. وسيتعين على توخيل تقبّل كل الانتقادات الموجهة لطريقته التكتيكية، فهو من حرم الفريق من معظم خياراته الهجومية، لكنه لم يستطع فعل شيء حيال أداء اللاعبين الموجودين على أرض الملعب. لقد وصل استحواذ المنتخب الإنجليزي على الكرة إلى 12 في المائة فقط بعد التقدم في النتيجة، وهو يُظهر عجزاً واضحاً فيما يتعلق بالاحتفاظ بالكرة. فخلال فترة 18 دقيقة و37 ثانية، وحتى قبيل تعادل الأرجنتين، لم يكمل المنتخب الإنجليزي سوى ثلاث تمريرات فقط - بين جوردان بيكفورد وجون ستونز.

ولم تقم إنجلترا إلا بخمس محاولات أخرى للتمرير، جميعها باءت بالفشل. ربما كان الوضع ليختلف لو اختار توخيل إشراك ماينو، أو لاعباً مثل ماركوس راشفورد كخيار هجومي. لم يتمكن أي من اللاعبين الأحد عشر الذين كانوا في الملعب من إحداث أي تأثير مع ازدياد هجمات الأرجنتين، وهذا أمر لا يمكن تحميل توخيل وحده المسؤولية عنه!

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

ويظل السؤال الأهم: هل يملك توخيل الوقت الكافي لإعادة بناء الفريق قبل بطولة كأس الأمم الأوروبية 2028 التي تستضيفها إنجلترا؟ وبينما يبدو هاري كين حجر الزاوية، فإن غياب بديل مناسب يهدد خطط المدرب الألماني. وقد تكون المباريات المقبلة في دوري الأمم الأوروبية فرصة لتجربة حلول هجومية جديدة.