Thought leaders precede political leaders, not the other way around
أولاً، يجدر العلم أن ألمانيا الهيغلية كانت ذات أغلبية بروتستانتية ساحقة نسبتها 70%، في حين كان الباقي كاثوليكًا تابعين للفاتيكان وبابا روما، الذي كان البروتستانت يكرهونه. وثانيًا، كان هيغل نفسه لوثريًا بروتستانتيًا حتى النخاع، لكنه لم يكن طائفيًا أبدًا. فمن المستحيل أن يكون فيلسوف كبير أرسى دعائم الحداثة الفكرية والسياسية والتنويرية في أوروبا طائفيًا. ولا ننسى أن ألمانيا هي موطن مارتن لوثر، مؤسس الإصلاح الديني الذي حرر الإنسان المسيحي من هيمنة رجال الدين وفسادهم واستغلالهم. ومن المعلوم أن بابوات روما وكردنالتهم أصبحوا مليونيرات على حساب الشعب البسيط الخائف من نار جهنم، والمستعد لدفع كل أمواله لنيل صكوك الغفران ودخول الجنة، حيث أقنعوه أن كلما دفع أكثر، كان حظه في الجنة أكبر. وهكذا جرت المتاجرات الكبرى بالدين. وضد هذا الفساد المستشري، انفجر لوثر بثورته العارمة وزلزل عرش البابوية، ولهذا السبب كان هيغل معجبًا به إلى أقصى الحدود.
يستعرض الكاتب العلاقة الفكرية بين فلسفة هيغل والتطور السياسي في ألمانيا، مسلطًا الضوء على دور الفكر التنويري في تجاوز الانقسامات الطائفية وتوحيد الأمة.
كانت الطائفية في زمن هيغل لا تزال متأججة، وكان الشعب الألماني منقسمًا مذهبيًا بين كاثوليك وبروتستانت، مع أحقاد هائلة بين الطرفين. ومثل الكاثوليك التيار الرجعي في ألمانيا، بينما مثل البروتستانت التيار الليبرالي التقدمي داخل المسيحية. وكان الكاثوليك الألمان خاضعين لأقوال بابوات روما الذين ظلوا رجعيين طوال القرن التاسع عشر بل وحتى منتصف القرن العشرين. بعد ذلك، جددت الكاثوليكية نفسها وتصالحت مع الحداثة والعصر، ولم تعد تكفيرية على نمط القرون الوسطى. ولكن في زمن هيغل، كانت لا تزال رجعية جدًا... ومن المعلوم أن البابا بيوس التاسع أصدر عام 1864، أي بعد وفاة هيغل بثلاثين سنة ونيف، فتوى شهيرة أدان فيها "أخطاء العالم الحديث" وكفرها. فقد أدان حرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والضمير، وأدان العقلانية والليبرالية وجملة أفكار الحداثة، معتبرًا إياها مخالفة للتراث والدين والعقيدة. كما أدان فلسفة حقوق الإنسان لأنها تسوي بين البشر بدون تمييز، وكأن غير المسيحي يمكن أن يساوي المسيحي، أو غير الكاثوليكي يمكن أن يساوي الكاثوليكي، أو كأن الكافر يمكن أن يساوي المؤمن. كل هذه الأمور كفرها بابا روما وأعلن زندقتها، تمامًا كما تفعل جماعات الإسلام السياسي السائدة حالياً عندنا، فهي أيضًا معادية بشدة لفلسفة حقوق الإنسان ولم تشم رائحة الحداثة التنويرية بعد.
بالطبع فإن بسمارك الذي وحّد ألمانيا عام 1870 أي بعد وفاة هيغل بأربعين سنة فقط اضطر إلى قصم ظهر الرجعية الكاثوليكية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه هذا التوحيد الكبير. في ذلك الوقت كان الليبراليون التقدميون المضادون للطائفية معظمهم من البروتستانت. وكان معظم الأصوليين الرجعيين يتشربون كلام بابا روما تشرباً من الكاثوليك البابويين المضادين للحداثة والمكفرين للبروتستانتيين وبالتالي لهيغل ذاته... ضمن هذه الأجواء المشحونة ينبغي أن نموضع موقف هيغل من المسألة الطائفية لكي نفهمه على حقيقته. وينبغي العلم أن بسمارك الذي وحّد ألمانيا على قاعدة المساواة في المواطنة اللاطائفية بين جميع الألمان نفذ حرفياً برنامج هيغل وكانط وفيخته وشيلنغ وبقية فلاسفة الأنوار الكبار. وهنا نلتقي مباشرة ذلك التمفصل الرائع الكائن بين الفكر والسياسة. لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الطريق. بهذا المعنى فالفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. هيغل هو الأساس بعدئذٍ يجيء بسمارك. الأولوية للمثقف الكبير لا للسياسي حتى لو كان ضخماً في حجم بسمارك.
لماذا أقدم كل هذه الديباجة؟ لأوضح مدى خطورة المشكلة الطائفية، أو بالأحرى المذهبية، في كل المجتمعات والأديان. عندما تنظر إلى أوروبا الحالية، المستنيرة والمتطورة، لا تجد أي أثر للحساسيات المذهبية أو الطائفية فيها، فقد تبخرت تمامًا بفضل جهود هيغل وغيره من فلاسفة الأنوار. وهذا أول ما يدهش العربي أو المسلم القادم من الشرق الذي يعج بالأصوليات والطائفيات والمذهبيات... لم يعد يوجد كاثوليكي واحد يحقد على البروتستانتي لأنه بروتستانتي، أو العكس. إنهما مواطنان متساويان في المواطنة الألمانية، يتعايشان بكل سلام ووئام في الشارع نفسه أو الحي نفسه أو البناية نفسها. لم تعد توجد أحياء بروتستانتية منفصلة عن الأحياء الكاثوليكية، ولم يعد هناك مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو ثالثة... كل هذا انتهى منذ زمن طويل، لكنه لم ينتهِ قبل انتصار المفهوم التنويري للدين المسيحي على المفهوم الظلامي التكفيري القديم. ورغم أن التنوير كان قد تحقق في زمن هيغل على مستوى النخبة، فإن العصبيات المذهبية كانت لا تزال مشتعلة على مستوى عامة الشعب، وجاهزة للاستنفار والاشتعال في أي لحظة.
وعلى الرغم من أن هيغل كان أكبر فيلسوف في عصره وربما في كل العصور فإنه ما كان يطيق سماع اسم الكاثوليك والمذهب الكاثوليكي. ويروي المفكر الفرنسي فيكتور كوزان أنه كان يتجول معه مرة في شوارع كولونيا حتى وصلا فجأة إلى الكاتدرائية الشهيرة التي هي من أجمل الكنائس في العالم. وأتذكر أنها سحرتني شخصياً بجمالها وبهرتني عندما رأيتها لأول مرة أثناء زيارتي الأولى لألمانيا عام 1990. فماذا قال هيغل وهو يمعن النظر في هذا البنيان الباذخ الشامخ؟ يقول فيكتور كوزان إنه سمعه يشتم البابا والكاثوليكيين بل يكاد يبصق على الأرض في وسط كاتدرائيتهم المقدسة ذاتها. وقد تعجب منه في هذا الموقف المتشنج وما كان يتوقع أن يصدر عن فيلسوف كبير في حجمه. كان هيغل يفقد أعصابه عندما تثار أمامه المشكلة الطائفية أو المذهبية. كان يحمل على الكاثوليكيين البابويين حملة شديدة ويعتبرهم سبب تخلف ألمانيا وتعصبها وتعلقها بتدين القرون الوسطى. وهذا يعني أن ألمانيا عام 1826 ليست ألمانيا عام 2026! نعم التاريخ يتقدم إلى الأمام أيها السادة. نعم هناك تطور وتجدد في التاريخ لحسن الحظ.
نعم، لقد كانت الحساسية المذهبية أو الطائفية لا تزال قوية في زمن هيغل. بل وحتى فيما بعده بسنوات طويلة ظلت حية منتعشة. فبسمارك، موحد ألمانيا، كان أيضاً يصطدم برجعية الكاثوليكيين البابويين مثل هيغل كما ذكرنا آنفاً. لماذا كان هيغل يكره المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني؟ ليس فقط لأنه بروتستانتي. هيغل ليس ابن شارع! هناك سبب وجيه لذلك. وهو أن المذهب الكاثوليكي كان يعتبر نفسه الحقيقة المطلقة للمسيحية بل وللدين كله والبقية فراطات أو زندقات أو هرطقات أو أقليات لا يعتد بها. وكان يعتبر نفسه بسبب كثرته العددية (أكثر من مليار شخص) الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية. كان يعتقد أن الكثرة العددية تعني أتوماتيكياً امتلاك الصحة الدينية والحقيقة الإلهية المطلقة. وكان يعتقد أنه لن يدخل الجنة بروتستانتي واحد ولن يحظى بمرضاة الله. الجنة محجوزة فقط للكاثوليك. وكان المذهب الكاثوليكي البابوي في أغلبيته يمثل قلعة الرجعية الفكرية والسياسية. عندما تقرأ تصريحات بابوات روما آنذاك، عندما تطلع على فتاواهم التكفيرية لروح الأزمنة الحديثة وجوهرها، تكاد تتخيل أن أقطاب الإسلام السياسي السائد حالياً هم الذين دبجوها وكتبوها... وهذا يعني أنه يوجد مفهومان للدين: المفهوم الطائفي الغياهبي الظلامي، والمفهوم الأنواري اللاطائفي المتصالح مع الحداثة والعصر. وهذا الأخير هو الذي أنقذ أوروبا من براثن الطائفية وجحيم الحروب المذهبية. وهو الذي أتاح نهضتها وإقلاعها الحضاري وتفوقها على جميع شعوب الأرض. كما يعني أنه يوجد مفهومان للإيمان. فهناك المفهوم التكفيري الطائفي القديم الذي يقتل ويذبح على الهوية ويدمر الوحدة الوطنية. وهناك المفهوم الأنواري الجديد الذي يحيي وينعش ويبني الحضارات ويجمع كل المكونات الاجتماعية حوله. ولكن المشكلة هي أن المفهوم الطائفي التكفيري القديم راسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. ولا يمكن اقتلاعه بين عشية وضحاها. هنا يكمن الاستعصاء الكبير.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
يعكس هذا المقال الصلة الوثيقة بين الفكر التنويري والتطور السياسي، حيث تجسد ألمانيا مثالًا على سبق الفلاسفة للسياسيين في تشكيل المجتمع الحديث. وما زالت هذه الرؤية الهيغلية تشكل مرجعية لفهم أهمية العلمانية والمواطنة المتساوية في المجتمعات المعاصرة. ويبقى السؤال مطروحًا حول مدى استفادة المجتمعات العربية من هذه التجربة في تجاوز الانقسامات المذهبية.
Original source: Asharq Al-Awsat
Comments (0)
Be the first to comment.