أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، عزمهما تعميق التعاون الدفاعي بين برلين وباريس ومواجهة المنافسة الاقتصادية الشرسة من الصين، والتي قالا إنها تفرض ضغوطاً على أوروبا بسبب فائض الطاقة الإنتاجية وانخفاض قيمة العملة.

ويأتي هذا الإعلان في إطار مساعٍ أوروبية أوسع لتعزيز التكامل الدفاعي وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية في ظل بيئة جيوسياسية متقلبة.

أدلى ميرتس وماكرون بتصريحاتهما خلال اجتماع حكومي مشترك، وهو جزء من لقاءات دورية بين البلدين، في ظل جهود لتخطي خلافات نشأت بعد فشل مشروع مشترك لتطوير مقاتلات كان محط اهتمام كبير في وقت سابق من العام.

وقال ميرتس، في مؤتمر صحافي مشترك: "نفعل ما هو ضروري لحماية حريتنا وأمننا ودفاعنا الجماعي".

واستعرض الزعيمان مجموعة من الأهداف المشتركة، من بينها تعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي، وقدرات الضربات بعيدة المدى، في إطار مساعٍ أوسع لتعزيز استقلال أوروبا الدفاعي.

"الردع الأوروبي"

خلال محادثاته مع ماكرون، أعلن ميرتس أن القوات الألمانية ستشارك "هذا العام" في تدريبات نووية فرنسية، باعتبارها خطوة رمزية نحو "الردع الأوروبي" الذي دأبت الدولتان على الدعوة إليه.

وأضاف المستشار الألماني: "تعمل ألمانيا وفرنسا على تعميق تعاونهما الدفاعي. نحن نعزز الردع الأوروبي. سنشارك هذا العام في مناورة نووية مع القوات المسلحة الفرنسية".

وتعهد المستشار الألماني بشراكة وثيقة مع الرئيس الفرنسي ماكرون. وأكد في ختام اجتماع الحكومة الفرنسية الألمانية أن الصداقة مع فرنسا والالتزام المشترك بأوروبا موحدة هما جوهر السياسة الخارجية الألمانية. وقال: "نحن نعتمد عليكم، ويمكنكم الاعتماد علينا. يمكنكم الوثوق بنا".

وأضاف "إن وقوف ألمانيا وفرنسا صفاً واحداً في هذه الأوقات العصيبة له قيمة لا تُقدر بثمن لكلا البلدين"، مشيراً إلى أن الدعم المشترك لأوكرانيا يلعب دوراً محورياً في الأمن، وأن هذا الدعم سيستمر بحزم. "هدفنا هو سلام يحفظ سيادة أوكرانيا وأمن أوروبا".

وأشار ميرتس إلى التعاون الجديد بين ألمانيا وفرنسا في مجال الدفاع النووي، قائلاً: "إننا ننطلق في مسار مشترك جديد للردع".

وأكد ميرتس أن ألمانيا لا تزال مستعدة لتعاون أعمق وأكثر ثقة مع فرنسا، بغض النظر عن نتيجة الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.

وبدأت فرنسا وألمانيا محادثات وزارية تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والمواد الخام الحيوية وميزانية أوروبا المستقبلية.

"قضية الصين"

ووجّه ميرتس وماكرون انتقادات إلى الصين، معتبرين أنها لا تلتزم بقواعد التجارة الدولية، من خلال تقديم مستويات دعم حكومي لقطاعها الصناعي تفوق بما لا يقل عن 8 أمثال ما هو معمول به في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

من جانبه، قال ماكرون: "لسنا معادين للصين، لا على المستوى الدبلوماسي ولا الاقتصادي، لكننا ننظر إلى الواقع بوضوح". وأضاف أن أوروبا تسجل عجزاً تجارياً مع الصين يبلغ نحو مليار يورو، أي ما يعادل 1.14 مليار دولار، يومياً.

وقال ماكرون إن فرنسا وألمانيا "لم تكونا متقاربتين إلى هذا الحد من قبل" بشأن قضية الصين، مشيراً إلى العجز التجاري اليومي لأوروبا الذي يبلغ مليار يورو وفقدان آلاف الوظائف يومياً.

وبالتوازي مع المشاورات الحكومية، عقد البلدان اجتماع مجلس الدفاع والأمن الفرنسي الألماني في قاعدة نورفينيش الجوية التابعة لسلاح الجو الألماني، في خطوة تؤكد التوجه نحو تعزيز التسلح الأوروبي وسط المخاوف من روسيا وتراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية.

وقالت الرئاسة الفرنسية إن هدف محادثات 17 يوليو هو تجاوز الرمزية والانتقال إلى مشاريع "ملموسة"، في محاولة واضحة لتجاوز انهيار مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS)، وهو برنامج المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس الذي انهار في يونيو 2026.

كيف بدأ مشروع المقاتلة؟

أُطلق مشروع FCAS عام 2017 بمبادرة من ماكرون والمستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل، بوصفه المشروع الأوروبي الأبرز لتطوير مقاتلة من الجيل السادس، وبلغت كلفته التقديرية نحو 100 مليار يورو.

وكان المشروع يرتكز على تطوير مقاتلة جديدة مأهولة إلى جانب منظومة رقمية تُعرف بـ"السحابة القتالية"، تهدف إلى ربط الطائرات والطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية ضمن شبكة عمليات موحدة.

وفي أكتوبر 2019، اجتمع الجانبان في مدينة تولوز لحل الخلافات الأولى حول توزيع العمل، ونجحا في التوصل إلى اتفاق بشأن تصدير الأسلحة المطورة بشكل مشترك.

وبموجب الاتفاق، كانت إحدى الدول توافق تلقائياً على صفقات تصدير السلاح إذا كانت حصتها من قيمة الصفقة تقل عن نسبة يُعتقد أنها تقارب 20%، واعتبر الطرفان ذلك دليلًا على الثقة المتبادلة، وهي شرط أساسي لنجاح مشروع FCAS وكذلك مشروع الدبابة الأوروبية المستقبلية MGCS.

لماذا تعثر المشروع؟

كان الخلاف بشأن تقاسم الأدوار الصناعية بين شركة إيرباص، التي تمثل ألمانيا وإسبانيا، وشركة داسو للطيران الفرنسية، السبب الرئيسي لفشل المشروع.

وظهرت الخلافات إلى العلن في فبراير 2026، عندما شكك ميرتس علناً في إمكانية أن تلبي مقاتلة واحدة احتياجات البلدين، موضحاً أن فرنسا تحتاج إلى طائرة قادرة على حمل أسلحة نووية والعمل من على متن حاملات الطائرات، بينما لا تمتلك ألمانيا هذه المتطلبات.

وخلال قمة أوروبية غير رسمية في قبرص في 23 أبريل، أعاد الزعيمان الملف إلى وزارتي الدفاع، رغم تأكيد ماكرون بعد يومين أن المشروع "ليس ميتاً على الإطلاق".

لكن المشكلة الأساسية بقيت دون حل، إذ أصر رئيس شركة داسو، إريك ترابييه، على أن تتولى شركته قيادة المشروع، رافضاً تقاسم القيادة مع إيرباص، ولم ينجح حتى تدخل شخصي من ميرتس في تغيير هذا الموقف.

وفي 10 يونيو 2026، اعتمدت الحكومة الألمانية استراتيجية وطنية جديدة لصناعة الطيران، أكدت فيها أن إيرباص يجب أن تكون شريكاً رئيسياً في أي برنامج ألماني مستقبلي للمقاتلات.

أما إسبانيا، الشريك الثالث في المشروع، فكانت قد بدأت بالفعل تمويل دراسة مشتركة بين إيرباص وشركة إندرا لتطوير نظام قتالي جوي خاص بها.

أما بلجيكا، التي انضمت بصفة مراقب عام 2024، فقد اعتبرت المشروع منتهياً، إذ أعلن وزير الدفاع ثيو فرانكن بعد تصريحات ميرتس في فبراير أن البرنامج قد مات، قبل أن تعلن بروكسل شراء 11 مقاتلة إضافية من طراز F-35A.

مقاتلتان منفصلتان بدل مشروع واحد

بعد انتهاء مشروع FCAS، تتجه فرنسا وألمانيا الآن إلى تطوير مقاتلتين منفصلتين من الجيل السادس.

فستتولى شركة داسو تطوير المقاتلة الفرنسية بشكل مستقل، بدعم جزئي من أكثر من 4 مليارات يورو خُصصت لتحديث مقاتلات رافال إلى معيار Rafale F5.

في المقابل، ستقود إيرباص البرنامج الألماني، مع توقع استمرار مشاركة إسبانيا، كما بدأت الشركة محادثات مع شركة ساب السويدية، التي تُعد في برلين شريكاً أكثر مرونة.

ومن المتوقع أن تدخل الطائرتان الجديدتان الخدمة خلال بداية أربعينيات القرن الحالي.

ورغم الانقسام في برنامج المقاتلة، يواصل البلدان البحث عن مجالات تعاون دفاعي أخرى لتعزيز الشراكة العسكرية الأوروبية.

وتشير هذه الخطوات إلى رغبة باريس وبرلين في إعطاء زخم جديد للتعاون الدفاعي الأوروبي رغم التحديات السابقة. كما أن إشراك ألمانيا في مناورة نووية فرنسية يمثل تطوراً لافتاً في مفهوم الردع الأوروبي، قد يمهد الطريق لتنسيق أوسع في المستقبل. لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على استمرار الإرادة السياسية في البلدين وقدرتهما على تجاوز الخلافات التقنية والاستراتيجية.