كــــــــرة

كــــــــرة
صدر المقال بتاريخ 20 يوليو 2026 في تمام الساعة 22:31 بتوقيت المملكة العربية السعودية.
تُعد بطولة كأس العالم لكرة القدم الحدث الرياضي الأكثر متابعة عالمياً، حيث تستقطب اهتمام مليارات البشر وتتجاوز تأثيراتها النطاق الرياضي لتلامس الأبعاد الاجتماعية والسياسية.
AA
لا توجد طرق دقيقة لقياس كثافة مشاعر البشر، وإنْ وُجدت، فالغالب أنَّ أعلى القياسات ستكون في المستشفيات والمطارات. فهذه الأماكن مشحونة بالعواطف أكثر من غيرها؛ بسبب طبيعة التفاعلات داخلها، وكثرة مستخدميها. من النادر أنْ تجد كميَّات من الدموع تفوق ما يتدفق في لحظات الاستقبال والوداع في صالات المطارات، أو في غرف انتظار المرضى، أو أقسام الولادة في المستشفيات، أو حتى في مكاتب دفع فواتير المرضى أحيانًا. ولكن خلال هذا الشهر، رأينا استثناءات لهذه القياسات في تجمعات مشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم. وأٌضيف هنا أنَّ امتداد المشاعر الفيَّاضة لم يقتصر على الملاعب في الولايات المتحدة، وكندا والمكسيك، بل امتدَّ عبر الأثير والكوابل؛ ليصل إلى أكثر من خمسة آلاف مليون إنسان. وبالرغم من أنَّني لستُ من هواة كرة القدم أو مشجعيها، وجدتُ نفسي أتابع المباريات، وعلى رأسها مباريات منتخبنا السعودي وجميع الفرق العربيَّة. تابعت بشغف وحماس، ورفعت مستوى ثقافتي الكرويَّة، والتهمتُ كميَّات مذهلة من الفشار بلا حساب ولا خجل. وبهرتنا جميعًا روائع اللعبة، ومنها جمال الكرة نفسها بتصميمها الهندسيِّ المذهل. وبالإضافة إلى النواحي الجماليَّة، يمنح ذلك التصميم كرة القدم -بمشيئة الله- قوة هائلة لتحمُّل الركل والتخبيط المستمر، كما يمنحها قدرات على الطيران المستقيم دون انحرافات.
وخلال المباريات المختلفة، اكتشف العالم قدرات التقنيات الجديدة في قياس تسارع الكرة وسرعتها وارتفاعها، ومقدار الطاقة المؤثرة في بدنها. وسمحت التقنيات الجديدة أيضًا -بمشيئة الله- بإظهار خطوط التسلُّل وحركة اللاعبين وتفاصيل اللعب والملعب من خلال عدسات عشرات الكاميرات ذات الوضوح الفائق. ولكن فوق كل ذلك، شهد العالم مستويات اللياقة البدنيَّة، والاحتراف، والإستراتيجيَّات، والتكتيك، والتخطيط، والقوة في فنون الكرة. وشهدنا أيضًا بعض التجاوزات العجيبة في التحيز السافر، وبالذات في مباراة مصر الشقيقة ضد فريق الأرجنتين. ومن روائع ما شاهدنا الرُّوح الرياضيَّة التي تعكس أخلاقيَّات كبار اللاعبين الذين تعرَّضوا لإساءات بدنيَّة ولفظيَّة متعمَّدة، ومنهم على سبيل المثال النجم محمد صلاح، وياسين بونو، وكريستيانو رونالدو، وهالاند. وهناك جوانب حضاريَّة وسياسيَّة وتاريخيَّة للعبة أيضا. تخيل ماذا لو لعب فريق الكونجو ضد فريق بلجيكا بعد 52 سنة من الاستعمار الذي استنزف الدولة الإفريقية من خيراتها بطرق أغرب من الخيال. وماذا لو لعب فريق الجزائر الشقيق ضد فرنسا بعد 132 سنة من الاستعمار القاسي. وفي مشاهدة فرنسا وإنجلترا كأنَّنا لمسنا رواسب الحروب بينهما دامت لأكثر من مئة سنة. وكلنا شهدنا المباراة بين فريقي إنجلترا والأرجنتين والتي لم تخلُ من بقايا حرب جزر «الفولكلاندز» كما يسمها الإنجليز، والمالفيناز كما يسمها الأرجنتينيون.
من حسن الحظ أن القوانين المنظمة لمباريات كرة القدم تحظر حمل الأسلحة على اللاعبين والجماهير، وإلا لكانت المواجهات قد انتهت إلى مآسٍ دامية. ومن المؤسف أن الانفعالات الإنسانية التي صاحبت فعاليات كأس العالم طغت على اهتمام العالم بما يدور في قطاع غزة، وهو أمر يدعو للتأمل.
تُظهر التحليلات المستمدة من المقال أن كرة القدم تحولت من مجرد لعبة إلى مرآة تعكس التاريخ السياسي والنزاعات بين الدول. يبقى السؤال قائماً حول الكيفية التي يمكن بها للمنافسات الرياضية أن توازن بين إثارة المشاعر الوطنية وبين تعزيز القيم الإنسانية في ظل أزمات عالمية ملحة.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.