عبدالمحسن الماضي يناقش فكرة تكرار التاريخ وينفي تماثل الأحداث
يستعرض المقال الجدل الفلسفي حول مقولة تكرار التاريخ، مؤكداً أن كل حدث فريد في ظروفه وأطرافه وأن التشابه ناتج عن أخطاء الإنسان لا عن الزمن ذاته.
يبدأ الكاتب بتسليط الضوء على مقولات متداولة مثل «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل» و«التاريخ يعيد نفسه»، مشيراً إلى أن التاريخ رصد للزمن، وأن النتائج حتمية، لكن كل حدث فريد في ظروفه وأطرافه، فلا يعيد التاريخ نفسه.
يعد الجدل حول تكرار التاريخ من القضايا الفلسفية القديمة التي تناولها مفكرون عبر العصور.
2 - من يقول بأن التاريخ يعيد نفسه، أو يقول من ليس له ماضٍ فليس له مستقبل، فهو يقولها لأسباب دفاعية أو هجومية.. إما جلداً للذات أو انتقاصاً من الآخرين.. هناك من ينتظر أن يعيد التاريخ نفسه، وهناك من يبادر بصنع التاريخ وعمل الخلطة أو التركيبة التي سوف تصنع يومه وغده.. هذان الصنفان هما اللذان يصفان تاريخهما ويحددان اتجاه ذلك التاريخ.
3 - الذين يقولون إن التاريخ يعيد نفسه يروجون لحقيقة يرونها وهي أنه لا يمكن فهم الحاضر دون فهم الماضي وحل ألغازه، وأنه لا يمكن استشراف المستقبل دون فهم الحاضر على ضوء فهمنا لما حدث في الماضي.. لا شك أن الحاضر نتيجة لما عملناه في الماضي، لكن ما سوف نحصل عليه في المستقبل فسيكون حتماً نتيجة لما سوف نعمله في حاضرنا، وليس لما تم عمله في الماضي على أساس إعادة التاريخ نفسه.. فالتاريخ قد تتكرر بعض ملامحه القديمة لكنه حتماً لن يعيد نفسه.
4 - إذاً هل التاريخ يعيد نفسه؟ لا أظن، فالتاريخ يكتب نفسه كل يوم من جديد.. لم لا؟ فليس الزمان هو الزمان، وليس المكان هو المكان وليس الإنسان هو الإنسان، وليست الظروف نفس الظروف، لا شيء يشبه شيئاً، فمن أين يعيد التاريخ نفسه؟ وإلا لتجمدت الحياة عند فصل واحد من فصولها.. وهذا هو الذي ينفيه واقع الحياة اليوم.
5 - إذا أعاد التاريخ كتابة نفسه فهو حتماً بفعل فاعل، وبذلك يكون تاريخاً مُعَدَّلاً مُزَيَّفاً كاذباً.. والكذب في التاريخ بتعديله أو تزييفه يحوله إلى قصة أو حكاية لكنه لا يعود تاريخاً.. وكما لا يمكن الكذب على التاريخ وإلا تحول إلى قصة فإنه لا يمكن صناعة التاريخ إلا أن يتحول إلى مسرحية.. الكل يمثّل فيها تحت تهديد فوهة السلاح أو دافع المصالح أو عمى التخلف.
6 - أما مقولة: من ليس له ماضٍ فليس له مستقبل، فهذا ادعاء باطل يتخذه الذين يدافعون عن مصالحهم، ويصدقها الفاشلون كمبرر للبقاء مع الفاشلين.. فالحراك الاجتماعي يواجه عدة معضلات في توجهاته؛ منها القمع العنيف الذي يوقف كل حركة بل يوقف التفكير، أو توجيه المجتمع إلى أن يختار لحظة تاريخية ذات خصائص مذهبية أو قومية فيجعلها «لحظة أبدية» غير قابلة للمراجعة أو التجاوز.. وعندها يرتكب قادة المجتمع ونخبه خطيئة قول إن من ليس له ماضٍ فليس له حاضر ولا مستقبل.
7 - تشابه الأحداث لا يعني أن التاريخ أعاد نفسه، فالإنسان هو الإنسان في أهوائه ورغباته وبحثه عن مصالحه.. الإنسان هو الذي يعيد تكرار أخطائه وانسياقه خلف مصالحه وأهوائه.. وبذلك فالإنسان هو الذي يعيد نفسه وليس التاريخ.. فالتشابه إنما يكون في المشاكل التي تنشأ بين بني البشر بسبب ذواتهم.. والاختلاف يكمن في طريقة التعامل مع المشكلة والظروف المحيطة بأصحاب المشكلة.. فإذا تشابهت المقدمات تشابهت النتائج.. هذا كل ما هنالك.
8 - نعم الأرض تدور، لكن التاريخ لا يعيد نفسه.
ينتقد الكاتب المهندس عبدالمحسن بن عبدالله الماضي التصورات السلبية التي تبرر الجمود التاريخي. ويحذر من تزييف التاريخ وتحويله إلى أداة للسلطة والمصالح. ويرى أن الإرادة البشرية الحاضرة هي وحدها القادرة على صنع المستقبل، بعيداً عن أسطورة التكرار. وفي ختام مقاله، يؤكد أن الأرض تدور لكن التاريخ لا يعيد نفسه.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.