ملخص

لا تزال الحرب الأوكرانية-الروسية وتداعياتها الجيوسياسية تتحكمان في العلاقات بين البلدين، ففي الوقت الذي تطمح فيه كييف إلى تعزيز سيادتها وسلامة أراضيها والانضمام إلى الهياكل الأوروبية، تجد موسكو نفسها تفقد حلفاءها تباعًا، بينما تبقى قضايا توسع الناتو ومسارات الطاقة والنفوذ في البحر الأسود شواغل استراتيجية مركزية.

فقد أدى الصراع المستمر منذ فبراير 2022 إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية، مما أضعف النفوذ الروسي في محيطه التقليدي.

أعادت الحرب الروسية ضد أوكرانيا تشكيل الواقع الجيوسياسي في أوروبا الشرقية عامة، وفي فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي بصورة جذرية.

فقد قوّضت هذه الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات ونصف السنة صورة روسيا كقوة عظمى مهيمنة لا تُقهر، وأجبرت أقرب حلفائها في أوروبا الشرقية، ودول رابطة الدول المستقلة ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، على النأي بأنفسهم عن موسكو. وبدأت الدول المجاورة بما في ذلك تلك التي كانت في عداد الإمبراطورية الروسية أو التي ارتبطت معها بعلاقات تاريخية قوية، في انتهاج سياسات خارجية مستقلة بنشاط، خشية أن ينتهي المطاف بهذه الدول في موقف مماثل لما حدث في أوكرانيا.

أحدثت الحرب في أوكرانيا تغييرًا جوهريًا في علاقات موسكو مع دول ما بعد الاتحاد السوفيتي. وبالرغم من أن روسيا ما زالت تضع الحفاظ على نفوذها في هذه الدول على رأس أولوياتها لضمان أمنها وازدهارها، إلا أن نفوذها الإجمالي في الجوار المباشر تراجع منذ شباط/فبراير 2022، مع وجود تباينات بين الدول.

روسيا 2.png

حين قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شن الحرب على أوكرانيا كان يأمل في تحقيق نصر عسكري سريع وحاسم خلال فترة وجيزة (أ ف ب)

عندما أقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على شن الحرب ضد أوكرانيا في 2022، كان يراهن على انتصار عسكري خاطف وحاسم، دون أن يتوقع أن تؤدي هذه الحرب إلى تآكل علاقاته مع دول استثمر في بناء العلاقات معها لعقود. لكن الحسابات العسكرية لم توازِ المعادلة السياسية الدولية، مما جعل روسيا تواجه عزلة غير مسبوقة منذ الثورة البلشفية.

ارتداد الأصدقاء

يعاني بوتين تراجع صداقاته في كل مكان تقريباً، بما في ذلك داخل أوروبا وخارجها. فقد تنحى أخيراً رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد آخر أصدقائه القلائل في القارة العجوز، بعد خسارته الانتخابات عقب 16 عاماً من تربعه على عرش السلطة. أما الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، فحاول بهدوء وصعوبة التحوّط وموازنة علاقات بلاده بمسك العصا من الوسط و"عدم الانحياز المتردد" منذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، إلا أنه أعلن موقفاً مختلفاً فاجأ موسكو خلال لقائه الأخير بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 15 يوليو (تموز) الجاري.

وقال فوتشيتش خلال زيارته كييف للمشاركة في قمة جنوب شرقي أوروبا وأوكرانيا، إن صربيا تدعم سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وتعتزم تعميق التعاون مع كييف في عدد من المجالات. ووفقاً للزعيم الصربي، ستواصل بلغراد تقديم المساعدات الإنسانية لكييف، وتعتزم تعزيز مشاركتها في إعادة إعمار إحدى المدن الأوكرانية.

وقال أليكسي تشيبا النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب الروسي (الدوما)، رداً على تصريحات الرئيس الصربي، إن فوتشيتش أدلى ببعض التصريحات الغريبة أخيراً، وإن "هذه التصريحات بعيدة كل البعد عما يريده الشعب. هذا ما يجب أن يؤنبه ضميره عليه. بالطبع، نسمع كل شيء، ونرى كل شيء، ونستخلص الاستنتاجات المناسبة". وأشار إلى أن روسيا كانت متشككة في تصرفات فوتشيتش، وأن زيارته إلى أوكرانيا تركت أثراً سلبياً لدى موسكو، ووصفها بأنها محاولة من بلغراد لتلميع صورتها أمام الغرب.

روسيا 3.png

تنحى أخيراً رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أحد آخر أصدقاء بوتين القلائل في القارة العجوز (أ ف ب)

وصدّرت صربيا التي تعد من أقرب شركاء روسيا في أوروبا، ذخيرة إلى أوكرانيا بقيمة لا تقل عن 908 ملايين دولار، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، كما أنهى فوتشيتش العقود العسكرية مع موردي الأسلحة الروس، ثم وقع صفقة بقيمة 2.7 مليار يورو (نحو 3.09 مليار دولار أميركي) مع فرنسا لتوريد طائرات مقاتلة.

ولطالما كانت موسكو شريكاً مهماً لبلغراد، لكن الذي يحدث في علاقتهما الآن يشكل سابقة في محطات العلاقات التاريخية الوثيقة بين البلدين، التي شهدت تقلبات تبعاً لتوازن القوى في كل مرحلة تاريخية، لكن هذه العلاقات تتأثر اليوم بالظروف الراهنة أكثر بكثير من تأثرها بذكريات الماضي.

لقد غيّرت الحرب في أوكرانيا بصورة جذرية بعض جوانب العلاقات الصربية الروسية على الرغم من النزاع العالق حول وضع كوسوفو بفضل موقف موسكو المعارض لاستقلال هذا الإقليم. صحيح أن بلغراد مترددة حالياً في الانضمام إلى العقوبات المفروضة على روسيا، وأن ما يقرب من نصف الصرب، 43 في المئة، يبررون غزو روسيا لأوكرانيا. ومع ذلك، لم يعد بإمكان بلغراد شراء الأسلحة والنفط من موسكو. كما أن المسؤولين الروس غير قادرين على السفر إلى بلغراد بسبب الحصار المفروض على المجال الجوي الأوروبي أمام شركات الطيران الروسية.

ودانت صربيا أيضاً الحرب ضد أوكرانيا في الأمم المتحدة، وتزودها بالأسلحة عبر دول ثالثة، وعززت التعاون الأمني مع الولايات المتحدة على مدى العامين الماضيين. ولا تولي صناعة الدفاع الصربية اهتماماً كبيراً لاختيار عملائها، وعادة ما يكون الربح هو غايتها الوحيدة، لكن في حال توريدات الذخائر لأوكرانيا، كانت خطوة سياسية محسوبة، تمكنت حكومة فوتشيتش من خلالها من الحصول على مكافآت كبيرة، لا سيما من الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، التزمت الولايات المتحدة موقفاً متحفظاً للغاية خلال التظاهرات المناهضة للحكومة العام الماضي.

واللافت أن هذه الصفقات تمت عبر تركيا وجمهورية التشيك، لأسباب سياسية داخلية في المقام الأول، لتجنب إغضاب شريحة السكان الصرب المتعاطفة مع روسيا، ولتجنب إثارة غضب الكرملين بصورة مفرطة.

ويدافع فوتشيتش عن نفسه بالقول إن هذه كانت معاملات تجارية بحتة، إذ لا تملك صربيا أي سيطرة على الجهة التي تتلقى الذخيرة في نهاية المطاف. مع ذلك، ينص القانون الصربي والمعايير الدولية على ضرورة معرفة المستخدمين النهائيين لمنتجات الصناعات الدفاعية. لذا، من المؤكد أن وصول الأسلحة إلى أوكرانيا لم يغب عن أنظار الحكومة الصربية.

روسيا 4.png

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش حاول بهدوء وصعوبة التحوّط وموازنة علاقات بلاده بمسك العصا من الوسط و"عدم الانحياز المتردد" منذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا (أ ف ب)

منظمة معاهدة الأمن الجماعي وحرب أوكرانيا

وضعت الحرب التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا حلفائها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي في موقف حرج. لم يضمر أي عضو من أعضاء المنظمة، أي ضغائن ضد أوكرانيا، لكن مسار الحرب ومدتها الطويلة وموقف روسيا الرافض أي وقف لإطلاق النار خلقت عدداً من التساؤلات المقلقة. أولاً، هل تسعى روسيا في المستقبل إلى تغيير النظام في إحدى دول المنظمة واصفة إياها بـ"النازية" و"المعادية لروسيا"؟ ثانياً، هل روسيا قوية لدرجة يمكن معها الاستمرار في الاعتماد عليها كحامية؟ لقد أظهرت سنوات الحرب ضد أوكرانيا أن التصور السائد عن قوة الجيش الروسي لا يمكن المراهنة الأمنية عليه. ثالثًا، بعد توتر العلاقات مع الدول الغربية الكبرى، بدأت روسيا بالانخراط بنشاط مع الأنظمة التي أُنشئت منظمة معاهدة الأمن الجماعي تحت شعار مواجهة نفوذها. فعلى سبيل المثال، كان التحالف مع روسيا مهماً لدول آسيا الوسطى للحفاظ على مسافة بينها وبين الصين، لكن بوتين جعل روسيا فعلياً شريكاً استراتيجياً للصين. ومن المشكلات الأخرى التي واجهت آسيا الوسطى خطر عودة "طالبان" إلى السلطة في أفغانستان وتوسع الإسلام السياسي. لكن الآن، أصبح نظام "طالبان" في كابول حليفاً لروسيا أيضاً!

وأعلنت الدول الأعضاء في المنظمة عدم رغبتها في المشاركة في الحرب التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا. هذا ما أفادت به مديرية الاستخبارات الرئيسة بوزارة الدفاع الأوكرانية في 27 أبريل (نيسان) الماضي.

حتى اليوم، لا تزال الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (باستثناء روسيا وبيلاروس) محايدة بشأن الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولم تعترف أي منها بضم شبه جزيرة القرم أو باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين.

ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي هي منظمة دولية ذات طابع عسكري وسياسي، تضم بيلاروس وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان. يسمح ميثاق المنظمة باستخدام أفراد عسكريين وقوات حفظ سلام من الدول الأعضاء فقط على أراضي الدول الأخرى الموقعة على المعاهدة بناء على طلبها. أوكرانيا ليست عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

ولخص رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو واقع منظمة معاهدة الأمن الجماعي بأوضح صورة، قائلاً "لا سمح الله، إذا لم تنتصر روسيا، فلن تبقى منظمة معاهدة الأمن الجماعي موجودة"، وأضاف "إذا انهارت روسيا، فسيكون مكاننا تحت الأنقاض".

من غير المرجح أن يرى قادة كازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وأرمينيا مستقبلهم وسط أنقاض منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وأن يكونوا على استعداد للمخاطرة بكل شيء من أجل انتصار روسي. على الأرجح، حددت كل دولة من هذه الدول بالفعل خيارات بديلة، واستعدت لسيناريو نهاية هيمنة روسيا العسكرية والسياسية في المنطقة.

لا شك أن التحالفات العسكرية والسياسية في أوراسيا ستستمر في المستقبل. فدول آسيا الوسطى الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي الحالية مقدَر لها أن تتعاون، لأن الصين وخطر الإسلام السياسي سيظلان قائمين، لكن دور روسيا القيادي في هذه التحالفات يبدو مشكوكاً فيه للغاية. وإذا كان هناك من يتحمل المسؤولية عن ذلك، فهو فلاديمير بوتين، الذي دمرت طموحاته وحربه في أوكرانيا كل ما كان ناجحاً نسبياً داخل أنقاض الاتحاد السوفياتي السابق، وقضت على آفاق مشاريع التكامل الجديدة التي تشارك فيها روسيا لأعوام مقبلة.

كازاخستان

كان غزو أوكرانيا كافياً لإحداث شرخ بين روسيا وحليفتها كازاخستان.

فقد دأب بوتين على التقليل من قدرة كازاخستان التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية على بناء دولة مستقلة، وزعم أن شعبها يسعى إلى توثيق العلاقات مع روسيا، وهو ما يكرره بشأن أوكرانيا.

لذلك، في أعقاب بدء الحرب ضد أوكرانيا عام 2022، رفض الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف طلبات الكرملين للمساعدة، وأبلغ بوتين لاحقاً أن كازاخستان لن تعترف بالمناطق الانفصالية المدعومة من روسيا في أوكرانيا. ووقّع اتفاقية تعاون عسكري مع تركيا، ليصبح بذلك أول عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي يبرم مثل هذه الاتفاقية مع دولة من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).

اقرأ المزيد

أرمينيا

عندما شنت أذربيجان عملية عسكرية للسيطرة على إقليم ناغورنو قره باغ في سبتمبر (أيلول) 2023، تقاعست قوات حفظ السلام الروسية المتمركزة هناك عن التدخل، مما أجبر سكان الجيب بأكملهم، والبالغ عددهم نحو 100 ألف نسمة، على الفرار. وأعلنت أرمينيا عزمها على الانسحاب من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وأجرت مناورات مشتركة مع دول غربية، ووثقت علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي التي تمني نفسها بالانضمام إليه، وبدأت بشراء أسلحة من فرنسا والهند. ورداً على ذلك، سحبت روسيا قوات حفظ السلام من المنطقة قبل الموعد المحدد، وفرضت حظراً على دخول غالبية المنتجات الزراعية الأرمينية إلى أراضيها.

انتهت أول قمة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بعد بدء الحرب في أوكرانيا بفشل ذريع، وبخلاف حادّ: إذ رفض رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان التوقيع على الإعلان الختامي، مشيراً إلى افتقار الوثيقة إلى "تقييم سياسي واضح للوضع على الحدود الأرمينية - الأذربيجانية". ونظراً لتصاعد التوتر بين أرمينيا وأذربيجان، ترى يريفان في رفض منظمة معاهدة الأمن الجماعي تقديم الدعم المباشر لأرمينيا تأكيداً على أن حلفاءها لم يعودوا مستعدين للدفاع عنها. وقد تفاقمت التوترات المتصاعدة داخل المنظمة، مُثيرة تساؤلات حول مستقبلها.

أذربيجان

في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، أصاب صاروخ روسي مضاد للطائرات طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية، مما أسفر عن مقتل 38 شخصاً. وطالب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الكرملين بالتعويض والمساءلة، لكن بوتين رفض الاعتراف بالمسؤولية لمدة عام تقريباً. وفي الوقت ذاته، تجاهل علييف بوتين بصورة واضحة، متغيباً عن العرض العسكري السنوي لروسيا بمناسبة يوم النصر في مايو (أيار) من كل عام. ثم دهمت القوات الخاصة الروسية أماكن انتشار الجالية الأذربيجانية في مدينة يكاترينبورغ، بينما دهمت أذربيجان مكتب وكالة "سبوتنيك" الروسية الحكومية في باكو، واعتقلت موظفيها.

في 14 يوليو، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن موسكو تعد موقف الحكومة الأذربيجانية من أوكرانيا خطأً، وأعلن أن روسيا ستواصل شرح موقفها من القضية الأوكرانية لباكو بصورة متواصلة.

وتشكل أذربيجان ممراً تجارياً حيوياً لإيران، التي كانت تزود روسيا، قبل هجوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في فبراير الماضي، بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية لحربها في أوكرانيا. وللحفاظ على استمرار هذا الممر، اضطر الكرملين إلى تخفيف موقفه من أذربيجان، وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، أقر بوتين أخيراً بأن أنظمة الدفاع الجوي الروسية أسقطت الطائرة وقدم عرضاً غامضاً للتعويض.

على رغم أن هذا الاعتراف مهد الطريق لإعادة العلاقات، فإن الحادثة تحولت إلى خطأ فادح في السياسة الخارجية الروسية. فعلى مرّ القرون، تعامل القياصرة وقادة الكرملين ببراعة مع التوترات بين أرمينيا وأذربيجان، لكن بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، نجح بوتين في إفساد العلاقات مع كلا البلدين.

سوريا

في سوريا، دعمت روسيا نظام بشار الأسد لما يقرب من عقد من الزمان، مقابل احتفاظها بالسيطرة على قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية. لكن في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، شنّ المناوئون للنظام السوري هجوماً مفاجئاً على معاقله، لم يتمكن الجيش الروسي، المنهك من الحرب في أوكرانيا، من التصدي له أو الرد عليه. سقطت حلب ودمشق في غضون أيام، وفر الأسد إلى موسكو. وخسر بذلك بوتين ليس فقط كل هذه الاستثمارات الضخمة، لكن آخر حليف مقرب منه في الشرق الأوسط.

تأثر علاقات روسيا بحلفائها

أدى الهجوم الروسي الشامل ضد أوكرانيا وعجز الجيش الروسي عن حسم المعركة عسكرياً، إلى تشكيك الحلفاء في القوة العسكرية الروسية. لم تعد دول آسيا الوسطى (مثل كازاخستان) وجنوب القوقاز (أرمينيا) تنظر إلى موسكو باعتبارها الضامن الرئيس والموثوق للاستقرار، وهكذا انهار وهم ضمان روسيا للأمن في أوراسيا.

من الواضح أن حرب أوكرانيا أثرت بصورة سلبية على العلاقات التحالفية داخل المنظمات التي تقودها أو تشارك فيها روسيا، مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي صارت تعاني أزمة عميقة بسبب هذه الحرب. فلم يكتفِ أعضاء هذا التحالف برفض تقديم المساعدة العسكرية لروسيا في حربها، بل إنهم يتجنبون أيضاً المشاركة في أي عمليات لحفظ السلام خارج حدودهم، وهذا دليل على سياسة براغماتية بدلاً من التبعية.

وأسفرت هذه الحرب عن خلق اتجاهات جيوسياسية جديدة، إذ إنه بعد انخراط روسيا في حرب طويلة الأمد وحاجتها الاقتصادية، استغلت الدول المجاورة هذا الوضع للبدء بالبحث عن شركاء بديلين. وهي تعمل بنشاط على تطوير التعاون مع الصين وتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في محاولة لتقليل اعتمادها الكبير على موسكو.

ويعتقد مسؤولو المخابرات البريطانية أن اعتماد دول الاتحاد السوفياتي السابق على موسكو قد تراجع خلال الأعوام القليلة الماضية. وقد تضاءل نفوذ روسيا في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي منذ هجومها على أوكرانيا، وفقاً لمراجعة استخبارية لوزارة الدفاع البريطانية صدرت في 28 فبراير الماضي.

وتؤكد وزارة الدفاع البريطانية أن فشل روسيا في تحقيق اختراق في الحرب قد أثار الشكوك بين حلفائها وأصدقائها حول دورها كضامن للأمن في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن انتهاك روسيا سيادة أوكرانيا قد زاد من الشعور بوجود تهديد محتمل من جانبها.

ولاحظ المحللون اتجاهاً نحو تقليل الاعتماد على روسيا في الدول التي كانت تعد من أصدقائها أو الدائرة في فلكها. ويعتقد الخبراء أنه على الرغم من الوجود القوي لموسكو في المنطقة، سواء كان ذلك علانية أو سرية، فقد تراجعت قدرة الكرملين على تحقيق أهدافه بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين.

وسبق أن أفادت الاستخبارات البريطانية بأن روسيا تستخدم الطاقة سلاحاً موجّهاً ضد الدول التي تعتمد على شرائه منها. وعلى وجه التحديد، تسببت الخلافات على الأسعار وبدلات الترانزيت في إثارة كثير من المشكلات مع أوكرانيا وبيلاروس حتى قبل بدء الحرب مع الأولى. ولم توفر الضربات الروسية البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا بعد ذلك، مما تسبب في انقطاعات هائلة للتيار الكهربائي في مختلف أنحاء البلاد، وقد استخدم بوتين سياسة الطاقة لتقويض أمن الطاقة الدولي على مستوى العالم.

وينشر مراقبون دوليون مستقلون بانتظام تحليلات مفصلة لتأثير الحرب في أوكرانيا على علاقات روسيا مع جيرانها وشركائها في المنطقة. وتتناول تقارير مركز الأبحاث "كارنيغي" الأزمة الأمنية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق بالتفصيل. وتُحلل تقارير من وسائل إعلام مستقلة، التوجه العام نحو ابتعاد دول رابطة الدول المستقلة عن سياسات الكرملين العسكرية.

لا تزال العلاقات الأوكرانية - الروسية اليوم محكومة بالحرب المستمرة وتداعياتها الجيوسياسية العالمية، فبينما تسعى أوكرانيا إلى السيادة والسلامة الإقليمية والاندماج مع المؤسسات الأوروبية، تفقد روسيا شركاءها وأصدقاءها واحداً بعد الآخر، في وقت لا يزال توسع حلف "الناتو"، وطرق الطاقة، والوصول إلى البحر الأسود قضايا استراتيجية محورية بالنسبة لها.

بالنسبة لروسيا، كانت منظمة معاهدة الأمن الجماعي، شأنها شأن رابطة الدول المستقلة وغيرها من مشاريع التكامل ما بعد السوفياتية، ضرورية بالدرجة الأولى للحفاظ على سمعتها كقوة عظمى، وللظهور على الساحة الدولية كدولة رائدة لم تفقد مجدها الغابر، بل كقائدة لتحالفات عسكرية سياسية إقليمية قائمة وفق شروطها وبضماناتها. وقد قبلت الدول الأعضاء الأخرى في هذه التحالفات قواعد اللعبة، مستفيدة من مزايا إضافية وملموسة من علاقاتها الودية مع روسيا، لكن رياح الحرب الأوكرانية جاءت بما لا تشتهي السفن الروسية، فانقلب الأمر إلى نقيضه، وبدل أن تصبح قوة موسكو أداة لفرض سطوتها على جيرانها، صارت حربها ضد جارتها فرصة لشركائها للابتعاد عنها والهرب من هيمنتها، والتحرر من ظلها التاريخي عليهم.

ويبدو أن العزلة الروسية تتعمق مع انسحاب حلفاء تاريخيين مثل صربيا والمجر إلى مواقف أكثر توازناً. وإذا استمرت الحرب، فمن المرجح أن تواجه موسكو مزيدًا من التحديات في الحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية، مما قد يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجياتها السياسية والاقتصادية.