لعبة الجبان
لعبة الجبان
12 يوليو 2026 - 00:02 | آخر تحديث 12 يوليو 2026 - 00:02
هناك حلقات متصلة ومعقدة تصف العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ العام 1979 حتى لحظة قراءتك لهذا المقال، دورة متكررة من الإكراه والتكيّف والتصعيد والجمود، وحتى في المحطتين الأبرز وهما اتفاق 2015 ثم الخروج منه والذي يعد حلقة متصلة من الخروج ثم ضربات صيف 2025 وصولاً إلى الوضع القائم من 28 فبراير، استمرت الدورة ولكن مع تغيّر طبيعة التكيّف.
فتحت العقوبات تطور طهران «اقتصاد المقاومة» وهي بطبيعة الحال في مركزيتها مقاومة للعقوبات لا لإسرائيل، ومرتكزاتها الثلاثة كما يرى الباحث في مركز كوينزي هادي خليل زادة، هي التحايل والتوطين والتنويع، مع الإيمان بوجود الأبواب المغلقة تحت العقوبات في مجالات بعينها من شاكلة توسيع أسطول الطائرات المدنية، أو الاستعانة بالخبرات الأجنبية في تطوير عمليات التنقيب عن النفط.
وخارج العقوبات يتشكّل إطار آخر من التكيّف، شهد أوجه خلال الفترة من 2015 إلى 2018، حين فُتحت الأبواب لتدفق الأموال إلى إيران، فسلمت إيران اليورانيوم المخصب باليمين، وسلمت لحزب الله وباقي الأذرع الحقائب الدولارية، بحيث تقوى الأذرع ليمثلوا ردعاً بديلاً عن النووي.
اليوم تُطرح أسئلة عنوانها غياب الثقة أو فجوة تفاوضية، وإذا ما نظرنا لنهج المفاوضات فإن الإيراني على سبيل المثال صاغ رؤيته لمذكرة التفاهم بناءً على الثقة الصفرية، وبالتالي وضع مطبات في بداية المذكرة من شاكلة الإفراج عن الأموال المجمّدة أولاً، وكأنه يقول كلما تفاوضنا فوجئت بهجماتك العسكرية، فطلب التعهد بعدم الاعتداء على إيران مجدّداً يفسر بأعطني أموالي أولاً.
أما في ما يخص الفجوة التفاوضية فهي غير موجودة، ولكن الأدق القول ما هو العصب الوجودي الذي يلمسه كل طرف لدى الآخر، فيظهر كفجوة تفاوضية، فالمطالب الأمريكية الثلاثة: النووي، الباليستي والأذرع الإقليمية، هي ما يعد إنجازه مجتمِعاً تحقيقاً لهدف الرئيس ترمب بالوصول لاتفاق أفضل من اتفاق الرئيس أوباما، لكن بالنسبة للمفاوض الإيراني تسليم القذافي لبرنامجه النووي تطوعاً، لم يتلقّه الغرب كحسن نوايا من قبله بل تعبيد لطريق إسقاط نظامه.
وحتى مضيق هرمز الذي تبدو إدارته أمراً ملحاً لإيران ومكسباً لا تريد التنازل عنه بتاتاً، ويمنحها السيطرة وامتلاك قدرة التأثير اقتصادياً على دول الخليج، والتحوّل من نموذج عسكري المنطقة وقت الشاه إلى عسكري المضيق اليوم، قد يبدو من المواضيع عالية الضوضاء اليوم على مستوى تأثيرها العالمي، لكن بتحليل منهجية المفاوض الإيراني أعتقد أنها طريقة تفاوض لكي يخرج الاتفاق النهائي دون أي قيود على الصواريخ الباليستية كأداة ردع رئيسية لدولة لا تملك سلاح جو متقدّم.
ومن التكتيكات التي كان يستخدمها الإيراني تاريخياً تصوير فكرة البازار وصانع السجاد الذي يمكنه أن يصبر حتى يخرج بأفضل نتيجة من المفاوضات، وتكبّد المشاق من ذلك، أعد لها الطرفان اليوم ليبينا أنهما لا يأبهان بالوقت، فأمريكا استخدمت المهل الزمنية كأداة ضغط، واستخدمت المفاوضات ويدها على النزاع كأداة أخرى، وعليها ما نعرفه من ضغوط عبر الانتخابات النصفية وغيرها.
لكن الصبر من قبل إيران اليوم مكلف أكثر من أي وقت مضى، فالاقتصاد يتآكل بشكل سريع ودراماتيكي، ونسب الفقراء تضاعفت بشكل كبير، وبالتالي الصبر مكلف بشكل كبير داخلياً، وأي عودة لحصار الموانئ الإيرانية مجدّداً، سيمثل قفزاً حراً نحو قيعان أعمق، وبالتالي ما يلوّح به الطرفان من قدرتهما على الصبر ليس دقيقاً عند كليهما.
هندسياً وبتصميم واعٍ لا يخلو من جوانب اللا وعي يتجه الطرفان نحو المنطقة الوسطى الطبيعية لأي مفاوضات، بعض المكاسب هنا وبعض التنازلات هناك، فحذف قضايا الصواريخ والوكلاء وتسوية لبنان كان اختياراً متعمّداً لتأمين استقرار إقليمي فوري، وإنضاجاً لمذكرة التفاهم، هذه هندسة للمنطقة الوسطى مبنية على تأجيل ما لا يُحسَم، وتثبيت ما يمكن تثبيته.
يدرك الطرفان أنهما يطوّران شكل المفاوضات لتشبه لعبة الجبان أو (The Game of Chicken)، حيث تتجه سيارتان نحو بعضهما بسرعة، من يخرج عن المسار يكون جباناً، ومن يستمر يصطدم بالسيارة الأخرى وبالتالي يتضرر الطرفان.
المصدر الأصلي: عكاظ
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.