ما الذي ستجنيه دمشق من «المسارات البديلة» لمضيق هرمز؟
يطرح مشروع 'المسارات البديلة' الذي أعلنه المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم براك تساؤلاً: هل يمثل بوابة لدمشق نحو الانخراط في معادلة المصالح الإقليمية والدولية كدولة عبور مستقرة بدلاً من كونها طرفاً في النزاع؟
يأتي مشروع المسارات البديلة في ظل تصاعد التوترات في منطقة الخليج وأهمية مضيق هرمز الاستراتيجية لحركة النفط العالمية.
وهل ينقلها تدريجياً من موقع الدولة المحتاجة للمساعدات والحماية السياسية إلى دولة تقدم خدمة استراتيجية للأسواق العالمية، بما يعنيه ذلك من مكاسب سياسية كبيرة تحدث عنها خبراء لـ«الشرق الأوسط»، ناهيك بالعائدات الاقتصادية.
تعمل الولايات المتحدة، بالتنسيق مع خمس دول إقليمية بينها سوريا، على تطوير برنامج استراتيجي لإنشاء مسارات بديلة لمضيق هرمز، استناداً إلى مفهوم 'التسليم الاحترازي'، وفق ما كشف المبعوث الأميركي توم باراك، مشيراً إلى أن التحولات الإقليمية الأخيرة أعادت صياغة التحالفات الأمنية والاستراتيجية، وحولت الاهتمام من الملف النووي إلى مضيق هرمز.
ولعل العائد السياسي لسوريا من هذا المشروع «هائل جداً»، حسب المستشار الاقتصادي الأول في وزارة الاقتصاد السورية، أسامة القاضي، مشيراً إلى وجود توافق بين دول المنطقة العربية وتركيا بغطاء أميركي، على «أن سوريا ستكون الخيار الاستراتيجي لاستقرار المنطقة واستقرار النفط والغاز في العالم».
وقال إن المشروع سيدخل سوريا في المعادلة الدولية للمصالح الإقليمية والعالمية «لا كجزء من الصراع بل دولة عبور واستقرار في المنطقة»، وستعظم هذه العوائد «كلما كان مسار نقل النفط والغاز والتجارة عبر الأراضي السورية»، لا سيما وأن تحقق المصالح العربية والأوروبية والتركية سيرتبط باستقرار سوريا ما يعني دوراً أكبر لها، مؤكداً على أن هذا ما يريده الشعب السوري من لحظة إعلان سوريا «سياسة صفر مشاكل مع العالم».
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتل المتاخمة لسوريا ديسمبر الماضي (د.ب.أ)
الكلف السياسية لزعزعة استقرار سوريا ستكون كبيرة جداً، وأي «استهداف للبنية التحتية السورية لن يعود شأناً يخص إسرائيل وسوريا فحسب، إنما يمس مصالح الولايات المتحدة ودول الغرب أيضاً»، وفق الباحث عبد الوهاب عاصي، فالمشروع سيزيد على إسرائيل تكلفة زعزعة الاستقرار في سوريا دون أن يُشكل ورقة ضغط مباشرة عليها.
وحسب عاصي، تحقيق المشروع «لا يحتاج بالضرورة إلى سلام مع إسرائيل لأن المسار لا يمر أصلاً من الجنوب، لكن سياسياً واقتصادياً يحتاج المشروع إلى بيئة أمنية مستقرة، ما يجعل التفاهم مع إسرائيل عاملاً مهماً. وهذا يُفسر طلب الولايات المتحدة الأخير من إسرائيل للانسحاب من الجنوب السوري».
ويرى الباحث أن المشروع سيحول سوريا إلى لاعب رئيسي في معادلة أمن الطاقة الإقليمي، إذ إن مرور كمية كبيرة من النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر أراضيها يجعل استقرارها مصلحة مشتركة للعراق والولايات المتحدة وأوروبا وشركات الطاقة الكبرى.
ويعتبر عاصي أن المشروع ينقل «سوريا تدريجياً من موقع الدولة التي تحتاج إلى مساعدات وحماية سياسية إلى دولة تقدم خدمة استراتيجية للأسواق العالمية». كما يخلق «مصالح أميركية ثابتة داخل سوريا، عبر (شيفرون) وشركات أميركية في خط يصل إلى الساحل السوري، مما قد يُؤدي إلى تثبيت رفع العقوبات وعدم العودة إليها وتخفيض تصنيف المخاطر المرتبطة بالاستثمار في سوريا، ويسهل الضمانات والتمويل الدولي».
شاحنات نفط عراقية في طريقها إلى ميناء بانياس في سوريا 11 مايو الماضي (رويترز)
من العائدات السياسية، أيضاً، ما يتصل بالعلاقات مع العراق، وقال المستشار أسامة القاضي إنها ستصبح علاقات مميزة لبلدين «يبحثان عن الاستقرار والعلاقات الإيجابية وليس كما هو الحال منذ عهد حافظ الأسد»، حيث كانت «علاقات بين دول مأزومة تحاول خلق أي نوع من أنواع الصراعات بينها»، لافتاً إلى أن «السوريين سعداء بتغير الخطاب السياسي العراقي تجاه سوريا وهذا يعود بالنفع والخير والتنشيط الاقتصادي للبلدين وللدول العربية».
اقتصادياً، ستتم «إعادة تأهيل ميناء بانياس ومحطات الضخ والتخزين والمصفاة وشبكة الأنابيب الداخلية. وبالتالي إمكانية حصول سوريا على رسوم وعوائد مالية كبيرة تساعد في نهوض الاقتصاد وتمويل عمليات إعادة الإعمار»، وفق الباحث عبد الوهاب عاصي.
ازدحام المتسوقين في سوق بدمشق القديمة أكتوبر الماضي (أ.ب)
ويتوافق «المسارات البديلة» الأميركي مع «مبادرة البحار الأربعة» (الربط بين البحر المتوسط، الخليج العربي، بحر قزوين، والبحر الأسود)، التي تبنتها سوريا، كما يعد مشروع المسارات البديلة هو عين مشروع (أربعة زائد واحد) الذي سبق وطرحه المستشار الاقتصادي أسامة القاضي، الذي يقول إن المقصود بالزائد واحد هو القطار السريع الجاري العمل عليه بين تركيا والمملكة العربية السعودية ويمر بسوريا والأردن بسرعات كبيرة 200 إلى 300 كم/ الساعة.
ويرى القاضي أن هذا المشروع سيوفر الأمن الغذائي والصناعي والسياحة والتبادل التجاري بين دول المنطقة العربية وتركيا، إضافة إلى وصل الخليج وتركيا بخط التوابل من الهند إلى المملكة السعودية إلى أوروبا. وأن هذا المشروع «خيار استراتيجي وعملي» لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيه خط التابلاين من المملكة العربية السعودية إلى بانياس السورية، كذلك خطوط الغاز من قطر إلى تركيا مروراً بسوريا، ويمكن أن تكون هناك ذراع إلى بانياس لتصدير الغاز أيضاً منها أيضاً، إضافة إلى خط من كركوك إلى بانياس.
وقال القاضي إن «ما قصده المبعوث الأميركي هو تلك المسارات التي بدأت مع خط كركوك - بانياس الذي كان هو مقترحنا سابقاً، أن يكون الرفع من 300 ألف برميل يومياً كما كان سابقاً قبل توقفه في الثمانينات إلى مليونين ثم ثلاثة ملايين برميل يومياً، خاصة وأن أكثر من 95 في المائة من موازنة العراق تعتمد على النفط، ولا تكفي ألف شاحنة يومياً إلى سوريا لأنها بالكاد تشكل 200 ألف برميل يومياً». وحسبه، فإن تحقيق هذا المشروع سيسهم في تقليص عبور التجارة العالمية لمضيق هرمز إلى أقل من 5 في المائة بحلول عام 2035.
Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
إذا نجح المشروع، فسيعزز مكانة سوريا كدولة عبور للطاقة، مما قد يسهم في تحسين اقتصادها وتخفيف العقوبات. لكن ذلك يتطلب استقراراً أمنياً وتعاوناً إقليمياً، وهو ما قد يكون تحدياً في ظل الأوضاع الراهنة. ويراقب المراقبون مدى التزام الأطراف المعنية، لا سيما إسرائيل والعراق، بتنفيذ هذا المخطط.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.