قد تواجه الشركات الاستشارية في السعودية، تراجعا في قدرتها التنافسية مع مرور الوقت، في ظل تبني بعض عملائها أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع الكفاءة وخفض التكاليف، وفق ما ذكره لـ"الاقتصادية" خبراء ومختصون في الذكاء الاصطناعي.

وأشاروا إلى أن شركات ومكاتب الاستشارات، ولا سيما المحلية تعد من أكثر القطاعات عرضة لهذا التحول، مع تزايد قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام تشمل إعداد دراسات الجدوى، وتحليل فرص السوق، وتقدير تكاليف التأسيس، وتقييم المخاطر، وصياغة التوصيات الإستراتيجية، وهي خدمات كانت تعتمد تقليديا على فرق استشارية متخصصة.

وقال المختص في الذكاء الاصطناعي الدكتور عبدالله البنيان: إن الشركات الاستشارية التي لا توظف الذكاء الاصطناعي في أعمالها ستتأثر تدريجيا، مشيرا إلى أن سلوك عدد من رواد الأعمال والمستثمرين بدأ يتغير مع اعتمادهم على هذه الأدوات في التخطيط لمشروعاتهم، بدءا من إعداد دراسات الجدوى وتحليل الأسواق، وصولا إلى تقدير التكاليف وتقييم المخاطر.

وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي يحقق وفرا في الوقت والتكلفة، وهو ما يمثل تحديا للشركات التي لا تواكب هذا التحول، كما توقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تقليص عدد الوظائف في شركات الاستشارات التي تعتمد عليه، مقابل تعزيز تنافسية الشركات التي نجحت في دمجه ضمن عملياتها.

من جانبه، قال المؤسس المشارك في شركة كوفاندر للذكاء الاصطناعي ساير رياض: إن رواد الأعمال يستخدمون اليوم الذكاء الاصطناعي لتسريع مختلف مراحل تأسيس الأعمال، بدءا من التحقق من جدوى الفكرة ودراسة السوق، مرورا ببناء الهوية التجارية، ووضع الخطط المالية، وصولا إلى إعداد إستراتيجيات التسويق.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أصبح يؤدي دور "شريك أعمال ذكي"، من خلال المساعدة في اتخاذ قرارات أسرع وأكثر استنادا إلى البيانات، وتقليص الوقت اللازم لإنجاز المهام المتكررة، بما يتيح لرواد الأعمال التركيز على الابتكار وتطوير الأعمال.

وأوضح أن مهاما كانت تتطلب سابقا التنسيق بين عدد من الخبراء يمكن إنجازها اليوم خلال وقت أقصر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأشار إلى أن هذه الأدوات أصبحت قادرة أيضا على المساعدة في إنشاء مواقع إلكترونية، وبناء قواعد بيانات، وإعداد أنظمة إدارة علاقات العملاء (CRM)، وأنظمة خدمة العملاء، وأتمتة سير العمل، وإنتاج المحتوى، بما يقلل الحاجة إلى تدخل بشري في كثير من المهام التشغيلية.

وأضاف أن أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة تستطيع إعداد دراسات الجدوى، وتحليل فرص السوق، وتقدير تكاليف بدء التشغيل، وتقييم المخاطر، وتقديم توصيات إستراتيجية، إلى جانب مقارنة نماذج الأعمال، والتنبؤ بالسيناريوهات المالية، ودعم قرارات الاستثمار، مع بقاء دور الخبرة البشرية ضروريا للتحقق من صحة الافتراضات واتخاذ القرارات النهائية.

من جانبها، قالت المختصة في الذكاء الاصطناعي الدكتورة هيا العسكر إن الشركات التي لا تستثمر في أدوات الذكاء الاصطناعي ستواجه ضغوطا تنافسية متزايدة، مرجحة أن تتراجع قدرتها على المنافسة مع مرور الوقت أمام الشركات التي تتبنى هذه التقنيات.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من أدوات العمل في كبرى شركات الاستشارات العالمية، موضحة أنه يسهم في تسريع إنجاز المهام دون أن يلغي دور المستشار، مشيرة إلى أن إعداد دراسات الجدوى وتحليل البيانات المالية والسوقية، الذي كان يستغرق أسابيع، أصبح ممكنا خلال دقائق، مع قدرة الأدوات الحديثة على تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف أنماط قد يصعب رصدها يدويا.

وقالت: إن الذكاء الاصطناعي يوفر كذلك إمكانات متقدمة في تحليل المخاطر عبر محاكاة سيناريوهات متعددة، لكنه لا يغني عن دور المستشار في تفسير النتائج وربطها بواقع كل مشروع. وأضافت أن الخوارزميات تقدم البيانات والاحتمالات، بينما تظل الخبرة البشرية عنصرا أساسيا في تحويل تلك المعطيات إلى قرارات عملية.

ورغم تحذيرات الخبراء، فقد أظهرت النتائج المالية لعام 2025 أن شركات الاستشارات العالمية الكبرى لم تتأثر من حيث الإيرادات بهذا التوجه نحو الذكاء الاصطناعي، إذ واصلت ديلويت (Deloitte) وبي دبليو سي (PwC) وإرنست ويونغ (EY) تحقيق نمو في إيراداتها رغم التحديات الاقتصادية العالمية، ما يعكس استمرار الطلب على خدمات الاستشارات والتحول الرقمي وإدارة المخاطر.

وأعلنت ديلويت ارتفاع إيراداتها إلى 70.5 مليار دولار بنمو 4.9%، بينما سجلت PwC إيرادات بلغت 56.9 مليار دولار بزيادة 2.7%، في حين حققت EY إيرادات قدرها 53.2 مليار دولار بنمو 3.9%.

وتشير هذه النتائج وفقا لبيانات الشركات الثلاث إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا على العكس أسهم في حفاظها على مسار نمو إيجابي.

واعترفت هذه الشركات بوجود تحديات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنها تتمثل في تغير طبيعة العمل وليس تراجع الأعمال، وتشمل هذه التحديات الحاجة إلى إعادة تأهيل الموظفين، وضمان حوكمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة مخاطر جودة البيانات والخصوصية والأمن والامتثال، إضافة إلى تحول بعض المهام الروتينية إلى الأتمتة، وتقدم الشركات هذه التغيرات باعتبارها فرصة لتطوير خدمات جديدة أكثر من كونها تهديدا لنموها.