يتمتع رالف دبغي بقدرات فنية متداخلة؛ فهو مؤلف كلمات أغانيه وملحنها ومؤديها باللغة الإنجليزية. وبعد غياب دام قرابة عامين عن الساحة الفنية، يعود الآن بوجه جديد عبر ألبومه الثاني «Mask Off» (سقط القناع)، الذي يعد منجزه الفني الثاني بعد ألبومه الأول «الساعة الرملية».

ويعكس الألبوم تجارب شخصية عميقة مر بها الفنان، من أبرزها أزمة فقدان الإلهام التي تعرض لها.

يضم الألبوم 8 أغنيات تتنوع بين أنماط وإيقاعات موسيقية مختلفة، لكنها تلتقي جميعها عند خيط سردي واحد؛ فتقوم على استلهام التجارب الشخصية والعائلية وتحويلها إلى حكايات إنسانية نابضة بالمشاعر، يصوغها دبغي في قالب غنائي معاصر.

يروي دبغي قصة انقطاعه عن الساحة الفنية، قائلاً: «منذ أكثر من سنة بقليل، شعرت بأنني فقدت قدرتي على الكتابة والتلحين. وصلت إلى مرحلة بدأت أتساءل فيها إن كانت مسيرتي الغنائية قد انتهت، أم لا. كنت قد أنجزت عدداً من أغنيات الألبوم، وظننت أنها ستكون بمثابة عملي الوداعي».

{سقط القناع} عنوان ألبومه الجديد (رالف دبغي)

ويتابع: «خلال جلسة مع أحد أصدقائي، خطرت لي فكرة ذلك الحاجز الذي كان يفصلني عن إمكاناتي الفنية، فكتبت أغنية بعنوان (عزيزي حاجز الكتابة - Dear writers block). عندها غصت في أعماق مشاعري وتأملت الحالة التي أمر بها. واجهت أزمتي بطريقتي الخاصة، وحاولت مداواة نفسي من خلال كلمات هذه الأغنية وألحانها».

من قلب تلك المحنة انبثق ألبومه الثاني «سقط القناع»، الذي تطلب إنجازه فترة طويلة من الاستكشاف والتجريب، وشكّل منعطفاً حاسماً في مسيرته. وصوّر منه أغنيتين هما «سقط القناع» و«الشرير»؛ الأولى تحث على التحرر من الأقنعة ومواجهة النفس بصدق، والثانية تتناول الشر الذي يخيم على العالم. ويضيف: «اختار المخرج كريم شريتح هذه الأغنية لترافق فيلمه القصير (النزاع الأخير)».

ومن بين الأغنيات المستوحاة من تجاربه الشخصية، تبرز «الأبطال» التي أهداها إلى والديه، تقديراً للدعم الذي قدماه له منذ طفولته. ويقول: «دعماني منذ صغري وشجعاني على دخول عالم الغناء، وكانا السبب في اندفاعي لتعلّم الموسيقى. لذلك، أردت أن أعبّر لهما عن امتناني من خلال هذه الأغنية التي تعكس نظرتي إليهما».

ويتابع: «أقول في الأغنية إنهما لا يطيران، وليسا نسخة عن (الرجل العنكبوت)، ولا يستطيعان اختراق النار، لكنهما بالنسبة إليّ بطلان حقيقيان، أنظر إليهما بكل فخر وإعجاب».

يؤكد دبغي أن الأغاني التي تكرّم الوالدين ما زالت قليلة، خاصة تلك التي تجمع الأب والأم. ويقول: «قد نجد أعمالاً تتحدث عن الأم، لكن الأب قلّما يحضر في الأغنيات، أما أن يُكرَّم الوالدان معاً فهو أمر نادر. شعرت بأن هذه الأغنية تعبّر عمّا يختزنه كثير من الأبناء في داخلهم، لكنهم لم يجدوا الكلمات المناسبة للإفصاح عنه».

أما الأغنية الثانية التي استوحاها من تجربة شخصية مؤثرة، فتحمل عنوان «على بعد طابقين»، وتروي علاقته الوثيقة بجدته التي ترك رحيلها أثراً عميقاً في نفسه. ويوضح: «في ألبومي الأول قدمت أغنية بعنوان (يوماً ما) أهديتها إلى جدي وجدتي. وخلال المراحل الأخيرة من تسجيل ألبومي الجديد، رحلت جدتي، فكان وقع الخبر قاسياً عليّ لأنها كانت تعني لي الكثير».

ويتابع: «من دون تخطيط، وجدت نفسي أكتب قصيدة عن علاقتي بها. وعندما جلست إلى البيانو، شعرت بأن بإمكاني تحويلها إلى أغنية تحمل اللحن الذي يليق بمشاعري. ورغم أن أغنياتي المصورة تتراوح عادة بين دقيقتين و4 دقائق، جاءت (على بعد طابقين) بطول 6 دقائق، لأنها كانت أشبه برسالة أردت أن أوصلها إليها. قلت فيها كل ما لم تتح لي الفرصة لقوله لها وجهاً لوجه». ويشير إلى أن أكثر ما فاجأه هو حجم تفاعل الجمهور مع الأغنية؛ إذ وجد كثيرون فيها انعكاساً لتجاربهم الشخصية مع فقدان قريب أو صديق.

برأي دبغي أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدته كثيراً وأصبح لديه متابعين من أنحاء العالم (رالف دبغي)

وعن سر اختيار عنوان «على بعد طابقين»، يشرح: «كانت جدتي تسكن في المبنى نفسه الذي أعيش فيه مع عائلتي، وكان يفصل بين منزلينا طابقان فقط. استعرت هذه المسافة بصورة بلاغية، وكأن الطابقين اليوم أصبحا السماء وما فوقها. فقد رافقتني جدتي في جميع مراحل حياتي، وعندما رحلت شعرت بفراغ كبير، لأنها لم تعد جارتي الأقرب إلى قلبي».

ويعزو دبغي اعتماده الإنجليزية في التعبير عن مشاعره وأفكاره الغنائية إلى شعوره بأنها الأقرب إلى تكوينه الفني والأكثر قدرة على ترجمة ما يختلج في داخله. ولكن، هل يفكر يوماً في الانتقال إلى الضفة الأخرى وخوض تجربة الأغنية الشرقية؟

يجيب: «لا أستبعد الغناء بالعربية، وقد سبق وقدمت أغنية باللغتين. لكنني اليوم أجد نفسي أكثر في الأسلوب الغربي. أفكاري وألحاني تولد تلقائياً باللغة الإنجليزية، وأكتبها بسهولة. أدرك تماماً أن الأغنية الشرقية تتمتع بانتشار واسع وتتفاعل معها شريحة كبيرة من الجمهور، لكن في المقابل هناك جيل لا يستهان به يميل إلى الموسيقى الغربية ويتماهى معها. ولولا أنني لمست هذا التفاعل الإيجابي لما كررت التجربة. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدتني كثيراً، لأن غالبية مستخدميها من الشباب، وأصبحت أملك اليوم متابعين في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا».

وعن أهدافه في المرحلة المقبلة، يقول: «ما يهمني هو الحفاظ على حضوري الدائم في الساحة الفنية وتوسيع دائرة انتشاري. وإلى جانب إصدار الأعمال الجديدة، أركز أيضاً على إحياء الحفلات؛ إذ ينتظرني هذا الصيف عدد كبير منها».

ويكشف دبغي أن ألبومه الجديد يحمل تحولاً واضحاً في هويته الموسيقية؛ إذ ابتعد نسبياً عن الرومانسية الهادئة التي طبعت أعماله السابقة، واتجه نحو إيقاعات أكثر حيوية، مستعيناً بعناصر من موسيقى الروك وآلات كهربائية، وفي مقدمتها الغيتار. ويعلّق: «أشعر بأن هذا الأسلوب يترك أثراً أقوى لدى المستمع».

وعن الأغنية الأقرب إلى قلبه في الألبوم، يختار «عزيزي حاجز الكتابة»، موضحاً: «لأنها توثق مرحلة شخصية صعبة عشتها بكل تفاصيلها». كما يخص أغنية «سقط القناع» بمكانة مميزة، ويقول: «أدعو فيها الناس إلى التخلي عن الأقنعة التي يختبئون خلفها، لأنهم عندما يواجهون أنفسهم بصدق سيدركون أنهم كانوا سيشعرون بالراحة لو فعلوا ذلك منذ زمن».

أما عن التحديات التي تواجهه في تقديم الأغنية الغربية داخل العالم العربي، فيؤكد أن الصعوبة حاضرة في كل الأحوال، ويقول: «حتى لو اخترت الغناء الشرقي فسأواجه منافسة كبيرة. أما في الأغنية الغربية فأشعر بأن عدد الفنانين الذين يقدمونها باحترافية أقل، ما يمنحني مساحة أوسع لأتميز. وأؤمن بأن الكلمة واللحن الجيدين قادران دائماً على فرض نفسيهما». هناك جيل لا يستهان به يميل إلى الموسيقى الغربية ويتماهى معها

يظهر ألبوم «سقط القناع» نضجاً فنياً واضحاً لدى دبغي، إذ يمزج بين التجارب الذاتية والرسائل الإنسانية. وتُبرز الأغنيات المتنوعة قدرته على تحويل المشاعر الصعبة إلى أعمال فنية مؤثرة. ويبقى التساؤل حول مدى تأثير هذه التجربة في أعماله المستقبلية.