كنا قبل دخول الجوال إلى منازلنا نجتمع في المنزل، ونتحدث مع بعضنا، ونشاهد التلفاز ونسمع الإذاعة، ونتحاور في موضوعات تهم الأسرة، ونتناقش فيما بيننا بكل أريحية، ثم جاء الجوال وسرق التلفاز وسرق الساعة وسرق التقويم وسرق الوقت الذي هو أثمن من كل شيء، وسرق متعة الجلوس العائلي، حتى أصبح الجميع يمسك به ويتصفحه لأكثر من ثلاث أو أربع ساعات دون أن يشعر بذلك، والصمت مطبق على الجميع الأب والأم والأولاد، حتى أنه سرق وقت الطلاب وسرق النوم منهم، وسرق متعة الطفولة واللعب والترفيه البريء، حتى في مجالس الرجال لا تجد حديثاً أو نقاشات في موضوع معين، بل هو كذلك سرق قيمة تلك المجالس التي كانت تنتج أجيالاً تعيش الحياة كما هي، ويستفيد الصغير من الكبير، وينصح الكبير الصغير، وكانت تلك المجالس بمثابة مدرسة الحياة، حتى جاء وسرقها بكل بساطة.

أصبح تواصل الناس بالرسائل بعد أن كانوا يتزاورون فيما بينهم، صحيح أن الرسائل قد تؤدي الغرض لكنها ليست مثل الزيارة ومشاهدة العين للعين، وقد حصل لي موقف مع سرقة الجوال للمجالس التي كانت مرتبة لطرح الآراء والأفكار من خلال النقاشات المتبادلة، فقد كنت في أمسية شعرية قبل عدة سنوات، وكان أحد الشعراء يلقي بعض الأبيات الاجتماعية للفائدة لما تحتويه من حكم ونصائح، وإذا بأغلب الحضور يتصفح جواله والبعض منهم كذلك يسمع مقاطع صوتية وقد رفع الصوت دون مراعاة لهذا الموقف، وتوقف الشاعر وقال: كيف أستطيع أن أكمل والبعض على هذه الحالة. وفي آخر الأمسية، قلت هذه الأبيات:

يا ناس وش سوى بنا اليوم وتس اب

يالله دخيلك من صروف المقادير

يثني رقاب الناس والروس تنكب

والكل منهم ما يحسب وش يصير

حتى المجالس صار فيها يقرب

من عقب ماهي للرجال المناعير

هذاك يرسل له رساله ويكتب

وهذا يتابع مقطعٍ فيه تصوير

والطفل من صغره عليها تدرب

حتى معه آيباد يوم انه صغير

ياليت سخرناه في طاعة الرب

إن كان صرنا في سعاده وفي خير

ما يدري الإنسان إنه يحاسب

من خالقٍ ما يظلم الناس قطمير

يالله يا رحمن نرجي ونطلب

منك العفو تغفر لنا كل تقصير

وصلاة ربي عد ما طار أو دب

على محمد عد ما غرد الطير.