التجارب التاريخية تؤكد أن الدول العربية في جوار النزاعات الكبرى لا تحميها النوايا الحسنة، بل وحدتها وقوة مؤسساتها وقدرتها على استشراف المستقبل قبل أن يصبح واقعاً. فالتاريخ يعلم والجغرافيا لا تغفر الأخطاء.

يأتي هذا التحليل في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تترقب المنطقة أي تطور قد يغير موازين القوى.

ليست كل الحروب تقاس بعدد الصواريخ أو المواقع المدمرة، بل بما تتركه من تغييرات في الخرائط السياسية وميزان القوى. لذا فإن السؤال المحوري اليوم ليس من ينتصر في المواجهة بين أميركا وإيران، بل إلى أين تتجه المنطقة بعد الحرب، وهل كان الهدف النهائي هو إيران أم أن الخليج سيدفع الفاتورة.

هذا التساؤل ينبع من تاريخ طويل يظهر أن إيران لم تكن يوماً عصية على الانهيار إذا تعرض مركز القرار لصدمة حقيقية. فمنذ منتصف القرن الماضي، شهدت إيران تحولات كبرى بوتيرة سريعة؛ إذ أُطيح بحكومة مصدق في عملية استخباراتية، ثم انهار نظام الشاه بعد أشهر من الاحتجاجات وعودة الخميني. لذلك توقع كثيرون أن الضغوط المتراكمة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، إضافة إلى استهداف القيادات المؤثرة، ستؤدي إلى النتيجة نفسها.

غير أن المشهد هذه المرة جاء مختلفًا، بل ومثيرًا للتأمل.

فالواقع يقول إن النظام الإيراني، رغم ما تعرض له من عزلة وعقوبات وضربات متلاحقة، بقي متماسكًا، ولم تظهر عليه مؤشرات الانهيار التي توقعتها تحليلات كثيرة. وهنا تبرز الحاجة إلى فهم طبيعة هذا النظام، لا الاكتفاء بقراءة مظاهره.

فمنذ قيام الثورة الإيرانية، لم يكن إدراج مبدأ ولاية الفقيه في الدستور مجرد إضافة فقهية، بل كان إعادة صياغة كاملة لفكرة الدولة. فقد أُنشئ نظام يجعل السلطة العليا تدور حول المرشد، فيما تعمل بقية المؤسسات ضمن دائرة نفوذه. وبذلك أصبحت الرئاسة، والبرلمان، والسلطة القضائية، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، حلقات في منظومة واحدة، تتعدد فيها المؤسسات، لكن مركز القرار يبقى واحدًا.

ولهذا، فإن الانتخابات الرئاسية في إيران، رغم ما تمنحه من مظهر تنافسي، تمر عبر منظومة دقيقة تبدأ بفلترة المرشحين داخل مجلس صيانة الدستور، الذي يتشكل أعضاؤه بطريقة تجعل الكلمة النهائية للمرشد، ثم تنتهي بالمصادقة على الرئيس المنتخب من قبل المرشد نفسه. وبهذا تصبح العملية السياسية، في جوهرها، جزءًا من منظومة السلطة لا وسيلة لتغييرها.

هذه الحقيقة تثير سؤالًا مشروعًا: إذا كانت الدولة شديدة المركزية، وإذا كانت مفاتيح القرار جميعها تنتهي إلى شخص واحد، فلماذا لم يؤدِّ استهداف القيادة العليا، وما سبقها من استنزاف طويل، إلى انهيار النظام أو تصدعه بصورة جوهرية؟ ولماذا بقيت مؤسساته تعمل، رغم أن كثيرًا من النظريات السياسية تفترض أن الأنظمة الشخصية تكون أكثر هشاشة عند استهداف رأس السلطة؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها تؤكد أن المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو، فالدولة الإيرانية تمتلك مؤسسات ضخمة، لكنها ليست مؤسسات مستقلة عن المرشد، وإنما مؤسسات تستمد مشروعيتها ونفوذها منه. إنها أشبه بعجلة كبيرة تدور حول محور واحد؛ كثرة التروس لا تعني تعدد مراكز القيادة، بل تعكس امتداد السلطة من مركزها إلى أطرافها.

ومع ذلك، فإن هذا التماسك الظاهر لا يلغي حقيقة أخرى، وهي أن إيران لم تتخلَّ يومًا عن مشروعها الإقليمي القائم على تصدير الأزمات إلى محيطها الخليجي. فمنذ أكثر من أربعة عقود، اعتمدت طهران سياسة النفوذ غير المباشر، عبر الميليشيات، والحروب بالوكالة، واستثمار الفراغات الأمنية في الإقليم. ولذلك، فإن أي مواجهة تتعرض لها لا تبقى داخل حدودها، بل تسعى إلى نقل آثارها إلى الجوار، سواء عبر التهديدات الأمنية، أو استهداف الممرات البحرية، أو استخدام أوراق الضغط السياسية والإعلامية.

ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل: هل المقصود من هذه الحرب إضعاف إيران وحدها، أم إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الخليج بصورة تفرض معادلات جديدة على دوله؟ فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تخوض صراعاتها بمعزل عن حسابات النفوذ، وأن الخرائط السياسية كثيرًا ما تُرسم على وقع المدافع، لا بعد صمتها.

كما أن المتابع لا يستطيع تجاهل حالة السيولة التي بدأت تظهر في مواقف بعض القوى الإقليمية، والتي توحي بأن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة اصطفاف، تتبدل فيها التحالفات، وتتغير فيها أولويات اللاعبين. وهذه التحولات تستوجب قراءة استراتيجية بعيدة عن الانفعال، لأن أخطر ما في الأزمات الكبرى أنها لا تعلن أهدافها كاملة منذ بدايتها.

في المقابل، فإن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، تدرك أن أمنها الوطني لم يعد مرتبطًا بحدودها الجغرافية فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا باستقرار الإقليم كله. ولهذا جاءت السياسات السعودية خلال السنوات الأخيرة قائمة على تعزيز الشراكات الدولية، وتطوير القدرات الدفاعية، وتنويع الاقتصاد، وترسيخ مفهوم الأمن الجماعي، إدراكًا منها أن المنطقة مقبلة على تحولات تتطلب قوة متماسكة، لا مواقف متفرقة.

إن التجارب تثبت أن الدول الشقيقة في محيط الصراعات الكبرى لا يحميها حسن النيات، وإنما تحميها وحدتها، وصلابة مؤسساتها، وقدرتها على قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع مفروض. فالتاريخ يقدّم دروسه، والجغرافيا لا تمنح فرصة ثانية لمن يخطئ تقدير الأخطار.

قد يختلف المحللون في تفسير ما يجري، وقد تتباين القراءات حول أهداف هذه الحرب، لكن المؤكد أن الخليج لا يستطيع أن يكتفي بدور المتفرج، لأن ارتدادات الصراع ستصل إليه، مهما ابتعد عن ساحاته. وفي زمن تتشابك فيه المصالح الدولية، وتختلط فيه الحسابات العسكرية بالاقتصادية والسياسية، تصبح الوحدة الخليجية الفاعلة ليست خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية.

فالمنطقة اليوم تسمع دويًّا يتجاوز صوت المدافع، وترى ومضات تسبق العاصفة، والعاقل لا ينتظر حتى يجرفه السيل ليبحث عن موضع آمن، بل يبادر إلى بناء السد قبل أن يفيض الوادي. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي الخليجي: فوسط عالم يعاد تشكيله، لا مكان إلا للأقوياء، ولا بقاء إلا لمن يحسن قراءة ما وراء المشهد، قبل أن يصبح جزءًا من نتائجه.

على الرغم من تماسك النظام الإيراني الداخلي، إلا أن سياساته الخارجية القائمة على تصدير الأزمات إلى الجوار تجعل من الخليج ساحة مفتوحة للتداعيات. فإيران لم تتخل عن مشروعها الإقليمي عبر الميليشيات والحروب بالوكالة. لذلك، فإن أي مواجهة مع طهران لن تبقى داخل حدودها، بل ستنعكس على أمن الملاحة البحرية والاستقرار الخليجي. وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الحرب ستقتصر على إيران أم ستطال استقرار المنطقة بأسرها.