أظهرت بيانات البنك المركزي السعودي لشهر مايو تحولا لافتا في بنية التمويل لدى البنوك السعودية، بعدما ارتفعت حصة الودائع الزمنية والادخارية إلى 42.8% من إجمالي الودائع، الأعلى منذ ديسمبر 2008. في المقابل، تراجعت حصة الودائع تحت الطلب إلى أدنى مستوى منذ ديسمبر 2009.

هذا التحول لا يشير إلى ضعف في السيولة المصرفية، إذ بلغ إجمالي ودائع البنوك مستوى قياسيا قرب 3.11 تريليون ريال، مرتفعا 9.3% على أساس سنوي. لكنه يعكس تغيرا في جودة التمويل من زاوية التكلفة، بعدما أصبح جزء أكبر من الودائع يأتي من أوعية زمنية وادخارية ذات عائد، بدلا من الحسابات الجارية منخفضة أو شبه معدومة التكلفة.

المفارقة أن هذا التحول حدث رغم تراجع متوسط سايبور لـ3 أشهر إلى 4.75% أي بانخفاض يقارب 61 نقطة أساس على أساس سنوي. وبذلك، لم تنعكس دورة تراجع الفائدة بعد على تركيبة الودائع، ما يجعل اختبار القطاع في النصف الثاني مرتبطا بالهوامش وتكلفة التمويل أكثر من ارتباطه بحجم السيولة وحده.

خلال عام، ارتفعت الودائع إلى 3.11 تريليون ريال، بزيادة تقارب 264 مليار ريال. غير أن توزيع هذا النمو يكشف أن الودائع الزمنية والادخارية كانت المحرك الأبرز، إذ ارتفعت حصتها من 38.2% إلى 42.8%، بما يعادل زيادة قدرها 4.59 نقطة مئوية على أساس سنوي. وبالقيمة التقديرية، زادت هذه الودائع بنحو 244 مليار ريال، أي أنها فسرت معظم النمو في إجمالي الودائع.

تراجعت حصة الودائع تحت الطلب

في المقابل، تراجعت حصة الودائع تحت الطلب من 52.81% إلى 47.15% خلال الفترة نفسها. وهذا مهم لأن ربحية البنوك لا تعتمد فقط على توسع الميزانية، بل على الفارق بين عائد الأصول وتكلفة الخصوم. كلما زاد وزن الودائع الأعلى تكلفة، أصبح الحفاظ على الهامش الصافي أكثر صعوبة، خصوصا إذا بدأت عوائد القروض المرتبطة بالمؤشرات المرجعية في الانخفاض.

لا يمكن تفسير التحول بسبب واحد، العوامل مرجحة، أولها أن الفائدة لا تزال مرتفعة تاريخيا رغم تراجعها من الذروة، فمتوسط "سايبور" لفترة 3 أشهر عند 4.75% يبقى أعلى من المتوسط منذ 2007 البالغ نحو 2.45%. لذلك، لا تزال الودائع الزمنية جذابة للمودعين مقارنة بسنوات الفائدة المنخفضة.

الفائدة المرتفعة تعيد تسعير السيولة

العامل الثاني يرتبط بسلوك العملاء. فدورة الفائدة المرتفعة أعادت تسعير السيولة في ذهن الأفراد والشركات، ودفعَت جزءا من الأموال التي كانت تبقى في الحسابات الجارية إلى أوعية ادخارية وزمنية مدرة للعائد. أما العامل الثالث فيرتبط بمنافسة البنوك على الودائع المستقرة، خصوصا مع استمرار نمو الائتمان وحاجة الميزانيات المصرفية إلى قاعدة تمويل أعمق وأطول أجلا.

كما أن أثر تراجع سايبور لا يظهر بالضرورة فورا في تكلفة الودائع. فالودائع الزمنية يعاد تسعيرها عند الاستحقاق، لا يوميا، وقد يكون جزء منها قد جرى تسعيره في فترات كانت فيها الفائدة أعلى. لذلك، يمكن أن تمر البنوك بفترة انتقالية تنخفض فيها عوائد بعض الأصول قبل أن تنخفض تكلفة الخصوم بالوتيرة نفسها.

من زاوية السيولة، تبدو الصورة أكثر توازنا. فقد نمت الودائع 9.3% سنويا، مقابل نمو الائتمان المصرفي 7.1% إلى نحو 3.39 تريليون ريال. لكن من زاوية الربحية، الصورة أكثر حساسية، إذ إن توسع قاعدة التمويل لا يكفي وحده إذا كان هذا التوسع يأتي بتكلفة أعلى.

البنوك السعودية تسجل أداء ربحيا جيدا في مايو

ورغم هذه الضغوط المحتملة، واصلت البنوك السعودية تسجيل أداء ربحي جيد في مايو. فقد بلغت أرباح القطاع نحو 8.78 مليار ريال، مقارنة بـ8.15 مليار ريال في مايو 2025، وبنحو 8.24 مليار ريال في أبريل 2026، بنمو سنوي 7.7% وشهري 6.6%. كما بلغت أرباح أول 5 أشهر من العام نحو 43.85 مليار ريال، بزيادة 6.6% مقارنة بالفترة المماثلة.

وتعد أرباح مايو الأعلى تاريخيا للشهر نفسه. لكنها لا تعني بالضرورة تسارعا مفتوحا في الربحية، إذ بقيت قريبة من متوسط آخر 12 شهرا البالغ نحو 8.84 مليار ريال، كما جاءت دون مستوى مارس البالغ نحو 10.04 مليار ريال.

القطاع المصرفي السعودي لا يواجه حاليا مشكلة سيولة ظاهرة، لكنه يواجه اختبارا في تكلفة هذه السيولة. فالقوة الربحية المسجلة في مايو تعكس قدرة البنوك حتى الآن على امتصاص تراجع الفائدة المرجعية، بدعم من نمو الائتمان واتساع الميزانيات. غير أن استمرار ارتفاع وزن الودائع الزمنية والادخارية يعني أن استدامة الهوامش ستكون المؤشر الأهم في قراءة أداء النصف الثاني.

وحدة التحليل المالي