في صباح منتصف يونيو، جلست الممثلة أوكتافيا سبنسر (56 عامًا) على طاولة في مطعم فندق بوسط مانهاتن، مرتدية سترة تويد فوق بلوزة بيضاء، لتنضح بهالة من القوة الهادئة والوقار. كان النُدُل يهتمون بها باستمرار، يتفقدون سمك السلمون المدخن أمامها ويعرضون تسخين قهوتها من جديد.

تعكس هذه الثقة بالنفس مسيرة مهنية بدأت قبل أكثر من عقدين وما زالت تتطور.

يلجأ البعض إلى التمثيل رغبةً في لفت الأنظار إليهم، أما سبنسر - وعلى حدِّ تعبيرها - فلم تضطر يوماً للسعي وراء ذلك. قالت: «لا أعتقد أنني أستطيع أن أكون غير مرئية أبداً». فقد نشأتْ واحدةً من 7 أشقاء، وكانت الأنظار مسلطة عليها باستمرار. وأضافت: «لم أكن بحاجة للكفاح من أجل لفت الانتباه؛ بل كان عليّ الكفاح من أجل ما أحب أن أسميه (السيادة). وربما لهذا السبب لدي مشكلة مع السلطة، أو مع وجود شخص يتولى زمام أموري».

لم تكن النجومية يوماً هدف أوكتافيا سبنسر الأساسي (ثيا تراف - نيويورك تايمز)

وقد انتصرت سبنسر في تلك المعركة، وإن احتاجت أكثر من عقدين لتصبح نجمة أفلام ومسلسلات ومنتجة محترمة. ففي هذا العام، تشارك في بطولة وإنتاج مسلسل الحركة الكوميدي «Ride or Die»، وتؤدي التعليق الصوتي مع الإنتاج التنفيذي للموسم الثاني من سلسلتها الواقعية عن الجرائم «Lost Women».

لطالما شعرت بأنَّها تستحق هذا النجاح، حتى في السنوات التي عملت فيها مساعدةً لاختيار الممثلين، وحتى حين كانت تُحصر أدوارها في مشهد واحد أو جملة حوارية واحدة. وقالت: «أتمنى لو أستطيع تعبئة هذا الشعور في زجاجة وتقديمه للعالم، لأقول للناس: أنتم مهمون، ولكم الحق في أن تأخذوا مساحتكم الخاصة كما تشاءون».

قبل لقائي بها، كانت لدي فكرة مغلوطة عن سبنسر؛ فقد تتبعت أدوارها السابقة، خاصة تلك التي أدتها على مدى 15 عامًا في شخصيات ثانوية، معظمها لنساء في مهن خدمية مثل الممرضات والمدرسات والنادلات والأخصائيات الاجتماعيات والعاملات المنزليات.

ووصفت سبنسر هؤلاء النساء قائلة: «إنهن الأشخاص الذين يسهّلون تفاصيل حياتنا... لكنهن لا يمثلن الشخصية الرئيسية أبداً». كانت تلك الشخصيات النسائية - بملامحهن الوديعة وعيونهن الواسعة - غالباً ما تُقابل بالاستهانة أو يتم تجاهلها. وكنت قد افترضت - خطأً - أن هذه التجربة قد تركت ندوباً في نفس سبنسر لأنَّها عاشتها هي أيضاً. لكن سبنسر ليست ضحيةً لأحد. إذا كانت صناعة الترفيه قد استغرقت سنوات كثيرة لتدرك مدى وتنوع مواهبها، فإن ذلك لم ينتقص من قدرها بصفتها فنانةً أو كإنسانةً. صحيح أنها اضطرت للعمل ممثلةً طوال 23 عاماً قبل أن تمنحها هوليوود دور البطولة المطلقة في فيلم (مثل فيلم الرعب «Ma» الذي تدور أحداثه في الضواحي وصدر عام 2019) أو في مسلسل (مثل مسلسل الإثارة والجريمة «Truth Be Told» على منصة «Apple TV»، والذي صدر أيضاً عام 2019)؛ إلا أنَّها تدرك أنَّ ذلك كان خسارة لهوليوود.

لقطة من مسلسل الإثارة والجريمة «Truth Be Told» (آي إم دي بي)

قالت: «إذا سمحنا لأنفسنا برؤية الناس من منظور واحد فقط، فإننا نعيش حياة محدودة للغاية». أما النجومية - ورغم إيمان سبنسر بأنها تستحقها - فلم تكن يوماً هدفها الأساسي؛ فمع أنها استمتعت دائماً بالأداء التمثيلي، فإنَّها لم تعتقد يوماً أنَّها قادرة على تحويله إلى مهنة. خلال دراستها في جامعة أوبورن، تخصصت في اللغة الإنجليزية، وجعلت المسرح والصحافة تخصصين فرعيَّين، لكن شغفها بعالم الترفيه ظل قائماً. بعد التخرج، بدأت العمل في مواقع تصوير الأفلام بوظائف مساعدة بسيطة، وغالباً ما كان ذلك في قسم اختيار الممثلين (الكاستينغ). وفي تلك الفترة، شجعها كثير من رؤسائها في العمل على تجربة أداء لأدوار صغيرة، لكنها كانت ترفض دائماً. وعندما عملت في فيلم الإثارة القانونية «A Time to Kill (وقت للقتل)» عام 1996، شعرت أخيراً بالاستعداد للمخاطرة؛ فطلبت دوراً من المخرج جويل شوماخر، فمنحها إياه. لعبت دور ممرضة، وكان ذلك أول دور من أدوار كثيرة لعبتها لاحقاً.

أوكتافيا سبنسر مع فيولا ديفيس في فيلم «المساعدة» (آي إم دي بي)

التقتها الممثلة فيولا ديفيس بعد ذلك بفترة وجيزة، في موقع تصوير المسلسل الدرامي الطبي «City of Angels (مدينة الملائكة)» للمنتج ستيفن بوتشكو، والذي لم يستمر طويلاً. وحتى في ذلك الوقت - أي قبل عقد كامل من مشاركتهما معاً في بطولة فيلم «The Help (المساعدة)» عام 2011، الذي نالت عنه سبنسر جائزة الأوسكار - أثارت ثقة سبنسر بنفسها إعجاب ديفيس. قالت ديفيس: «إنها لا تعتذر عن كونها على طبيعتها، ولا تحاول حصر نفسها في أي قالب نمطي؛ وهذا أمر جميل». كما عرفت الممثلة ميليسا مكارثي سبنسر في تلك الأيام الأولى؛ فقد كان لديهما صديق مشترك هو تيت تايلور - الذي أخرج لاحقاً فيلم «The Help» - وكان يدعو سبنسر لحضور عروض الارتجال الكوميدي لمكارثي. كانت ضحكة سبنسر معدية ومبهجة، وغالباً ما كانت هي الشخصية الأكثر مرحاً في المكان - حسبما ذكرت مكارثي - ويعود ذلك في الغالب إلى أنها لم تكن تتصنع شيئاً أبداً. وترى مكارثي تلك السلاسة ذاتها في أداء سبنسر التمثيلي. قالت مكارثي: «يمكنك أن تشعر بكل ما يدور في ذهنها؛ فلا داعي لأن تنطق أوكتافيا بجملة حوارية في الفيلم لتشرح مشاعرها، بل تظهر تلك المشاعر بوضوح من خلالها. وهذا هو السحر الحقيقي».

سواء ظهرت بشخصيتها الحقيقية أو عبر الشاشة، تبدو سبنسر جديرةً بالثقة وتبعث على الطمأنينة، مما يجعلها مؤتمنةً مثاليةً على طرح مواد قد تكون مؤلمة أو مزعجة. وهذا هو السبب الرئيسي وراء اختيار نيشيل ترمبل سبيلمان، مبتكرة مسلسل «Truth Be Told»، لها لتلعب دور البطولة. وقالت سبيلمان: «كنت أعلم أنها ستكون قادرة على تجسيد الجوانب المظلمة للشخصية دون أن تنفّر الجمهور أو تبعدهم عنها». لطالما كانت سبنسر شغوفة بقصص الجرائم الواقعية منذ طفولتها؛ لذا، عندما تواصل معها مات روبينز، من شركة «أكتوبر فيلمز (October Films)»، لتقديم التعليق الصوتي لسلسلة «Lost Women» - التي تتبنى نهجاً يركز على الضحايا - أبدت اهتماماً فورياً. وقد تعاملت مع العمل واضعةً نصب عينيها هدفاً يتمثل في استعادة شيء من كرامة هؤلاء الضحايا

وعلقت قائلة: «كان الأمر يتعلق بإعادة شيء من هويتهن في الحياة إليهن وهن في عداد الموتى». إن مشاعر الحزن الناجمة عن عدم رؤية النساء والأطفال أو سماعهم أو تصديقهم، وعن حرمانهم من تحقيق كامل إمكاناتهم، تبدو ملموسة بوضوح في أسلوبها في السرد. وقد أكد روبينز أن هذا التعاطف الملموس يُعدُّ أمراً بالغ الأهمية. وقال: «عند العمل في هذا النوع من الأعمال، قد يصاب المرء بنوع من التبلد العاطفي. لكن ما يميز أوكتافيا هو ذلك الشعور بالتواصل؛ فهي تهتم حقاً وبصدق».

أوكتافيا سبنسر في لقطة من مسلسل «Ride or Die» (آي إم دي بي)

في المقابل، يحمل مسلسل «Ride or Die» طابعاً أكثر خفة ومرحاً؛ فهو عمل يجمع بين الحركة والكوميديا ​​وقصص الصداقة الوثيقة، لكن مع لمسة مغايرة: فالصديقتان هنا امرأتان. تلعب سبنسر دور «ديبي»، الزوجة الأميركية لعضو في البرلمان البريطاني. وفي الحلقة الأولى، تكتشف «ديبي» - وهي محامية ضحت بمسيرتها المهنية من أجل الطموحات السياسية لزوجها - أن زواجها قد انتهى تماماً، وأن صديقتها المقربة وشريكتها في «نادي القراءة المشاغب»، «جوديث» (التي تؤدي دورها هانا وادينغهام)، تعمل قاتلة مأجورة دولية. وسرعان ما تجد «ديبي» نفسها هاربة برفقة «جوديث» في رحلة تتسم بالأناقة والإثارة. ورغم أن دور «جوديث» قد يبدو أكثر بريقاً وجاذبية، فإنَّ «ديبي» تظل هي القلب النابض للعمل.

لم تكن سبنسر قد قدَّمت سوى قليل من الأعمال الكوميدية، ونادراً ما شاركت في أفلام الحركة (الأكشن) قبل فيلم «Ride or Die»، إلا أنَّها وجدت فكرة الفيلم جذابة للغاية؛ ففكرة أن تكتشف امرأة في الخمسينات من عمرها مهارات جديدة، وتخوض مغامرات غير مسبوقة، وتعمّق علاقتها بصديقتها المقربة، وربما تحظى بعلاقة عاطفية عابرة أو اثنتين، كانت كلها أموراً مغرية للغاية.

* خدمة «نيويورك تايمز»

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

وتُظهر مسيرة سبنسر أن الثقة بالنفس يمكن أن تصمد أمام إهمال الصناعة. فانتظارها الطويل لأدوار البطولة لم يكن نابعاً من نقص الموهبة، بل من تحيزات النظام. ونجاحها لاحقاً كمنتجة يؤكد أنها لم تكتفِ بالتمثيل بل أرادت التحكم في سرد قصصها.