اتهمت إثيوبيا مصر مجدداً، وذلك على خلفية استمرار القاهرة في انتقاد ما تصفه بـ"الإجراءات الأحادية" التي تتخذها أديس أبابا في تشغيل وملء سد النهضة، والتي تخشى مصر أن تلحق ضرراً بحصتها المائية البالغة نحو 55.5 مليار متر مكعب.

تأتي هذه الاتهامات في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة لإحياء المفاوضات بين البلدين حول السد.

تلك الاتهامات الإثيوبية التي تأتي وسط مساعٍ أميركية لإحياء المفاوضات المجمدة بشأن «سد النهضة» بين القاهرة وأديس أبابا منذ 2024 يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ضمن «محاولات إثيوبية لتحسين صورتها دولياً وإشغال الداخل بوجود خطر خارجي». وتوقعوا أن «تزيد الأزمة بين البلدين دون أن تعطل ضغوط واشنطن لإحياء المفاوضات الفنية».

وزادت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية من وتيرة انتقاداتها لمصر، التي ترفض استمرار تشغيل سد النهضة على نهر النيل دون تنسيق مسبق.

ونقلت الوكالة، الخميس، عن عضو مجلس النواب الإثيوبي محمد العروسي، قوله إن «الاتهامات المصرية المتكررة لإثيوبيا بالتصرف بشكل أحادي في بناء وتشغيل سد النهضة الكبير تتجاهل الحقائق التاريخية، والمبادئ الراسخة للقانون الدولي، والحقوق التنموية لدول المنابع في حوض النيل، وتعبر عن حنين مستمر إلى مرحلة كانت تقوم على الهيمنة الحصرية على نهر النيل».

كما نقلت الوكالة، الأربعاء، مقال رأي لمحام يدعى آل مريم، اعتبر فيه أن «مصر استخدمت مصطلح الأحادية إلى جانب أوصاف أخرى لتشويه صورة إثيوبيا، ليس فقط في وسائل الإعلام العالمية، بل وأمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مناسبات عديدة»، مؤكداً أن «تكرار هذه الرواية لا يعكس واقعاً قانونياً».

وأفادت صحيفة «الشرق الأوسط» بأنها سعت، الخميس، للحصول على تعليق رسمي من الجهات المصرية حول هذه الاتهامات، دون أن تتمكن من ذلك.

وكانت القاهرة قد أعلنت توقف مسار التفاوض مع أديس أبابا بشأن «السد» عام 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، وأرجعت ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية والري.

الرئيس السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

وعقب افتتاح الحكومة الإثيوبية مشروع «السد» في سبتمبر (أيلول) الماضي، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيه أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، يرى أن «إثيوبيا تقوم بتصرفات أحادية وفرض الأمر الواقع منذ عمليات التشييد والملء والتشغيل بشكل مخالف للقانون الدولي الذي يؤكد أن السيادة على نهر النيل الأزرق سيادة مشتركة للدول الثلاث مصر والسودان (المصب) وإثيوبيا (المنبع) وليست سيادة أحادية».

وشدد على أنه «لا بد من تعاون وثيق وإدارة مشتركة، وتصرفات مشتركة، وليست أحادية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يشير إلى أن «الاتهامات الإثيوبية ليست الأولى من نوعها في إطار الحملات السياسية الدعائية التي تنتهجها الحكومة الإثيوبية لتحقيق مجموعة من الأهداف».

ومن أبرز هذه الأهداف بحسب البحيري «محاولة لتبرير ما تتبناه وما تقوم به من سياسات وإجراءات أحادية الجانب بخلاف أن استخدام هذه التصريحات للاستهلاك المحلي داخل إثيوبيا ومحاولة إظهار وجود خطر خارجي للفت الأنظار عن الأزمات الداخلية، ولا سيما على صعيد العنف الإثني والعرقي المستمر في أقاليم التيغراي شمالاً وأمهرا».

وتأتي الاتهامات الإثيوبية للقاهرة بعد نحو شهر من حديث رئاسي مصري - أميركي بشأن السد الإثيوبي.

وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مجدداً خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترمب في يونيو (حزيران) الماضي على «الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر». ووقتها أشار ترمب إلى «تفهمه كل الشواغل المصرية في هذا الصدد»، وشدد على أنه «سوف يولي هذا الملف الأولوية القصوى لتسويته بشكل عادل»، بحسب بيان للرئاسة المصرية حينها.

القاهرة أعلنت توقف مسار التفاوض مع أديس أبابا بشأن «سد النهضة» في 2024 (الشرق الأوسط)

وشهدت الآونة الأخيرة حراكاً أميركياً بعد نحو عامين من توقف مفاوضات مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»... ففي مايو (أيار) الماضي تطرق اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لنزاع السد الإثيوبي والأمن المائي المصري.

وخلال الشهر نفسه قال بولس عبر حسابه على منصة «إكس» إنه تم عقد «اجتماعات مثمرة وشاملة» مع وفد إثيوبي بقيادة وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، حول نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي الكبير.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية؛ وذلك بعد ثلاثة أحاديث حول الأمر ذاته في يونيو ويوليو (تموز) 2025 أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حلٌّ سريع لتلك الأزمة».

ويرجع حلمية الحملة الإثيوبية ضد مصر إلى «مواجهة التحركات الأميركية لإحياء للمفاوضات»، ويؤكد أنها «تزيد التوتر وتعمق الأزمة بين البلدين».

فيما يعتقد البحيري أن «هذه الاتهامات تؤدي إلى التصعيد بين مصر وإثيوبيا والمزيد من التوتر السياسي، وليس حل هذه الأزمات أو حل الخلافات القائمة».

وقد تجمدت المفاوضات بين البلدين منذ عام 2024، مع اتهامات متبادلة بعدم الجدية. وتعتبر مصر أن سد النهضة يهدد أمنها المائي، بينما ترى إثيوبيا أنه مشروع تنموي ضروري. وفي ظل المساعي الأميركية لإحياء المحادثات، لا تزال الفجوة بين موقفي الجانبين واسعة.