مع قدوم كل صيف، يجد العديد من الليبيين أنفسهم أمام معضلة بين شواطئ خاصة تفوق أسعارها قدراتهم المادية، وشواطئ عامة يصفونها بأنها «تفتقر إلى أدنى مستويات الخدمة والسلامة».

ويأتي هذا النقاش وسط تزايد الضغوط الاقتصادية على المواطنين الليبيين، مما يجعل مسألة الوصول إلى الشواطئ قضية اجتماعية واقتصادية حساسة.

وبين عشرات الإعلانات التي تروج للاستراحات والقرى السياحية، يتكرر سؤال ينغص حياة قطاعات من الليبيين في شرق البلاد وغربها: هل أصبح الوصول إلى الاستمتاع بالبحر لمن يستطيع الدفع؟

يتجدد هذا الجدل سنوياً مع توسع الاستثمارات السياحية الخاصة على حساب الشواطئ العامة، مما يثير تساؤلات حول التوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان حقوق المواطنين في الوصول المجاني.

الواقع السابق، أقره عضو البرلمان الليبي محمد عامر العباني، وقال إنه «واجه هذا الإشكال مؤخراً»، محملاً الجهات التنفيذية المسؤولية عن ذلك.

وتكشف نقاشات في وسائل إعلام محلية وإعلانات متداولة عبر صفحات التواصل الاجتماعي حجم التوسع الذي يشهدُه قطاع المصايف الخاصة، كما تعكس أيضاً تفاوتاً في الأسعار.

في طرابلس، تتراوح رسوم دخول الشواطئ الخاصة بين 30 و150 ديناراً حسب الخدمات، بينما يصل إيجار الاستراحات اليومي إلى 600 دينار (الدولار يعادل 6.40 ديناراً رسمياً و8.50 ديناراً في السوق الموازية).

مصيف «عودة الحياة» في تاجوراء بالعاصمة طرابلس (حكومة الوحدة)

ولا تختلف الصورة كثيراً في مدينة بنغازي، حيث تبلغ تكلفة دخول بعض الشواطئ نحو 40 ديناراً، بينما يصل إيجار «العشة» المطلة على البحر إلى نحو 150 ديناراً عن اليوم، وهي أسعار يقول مواطنون: «فيها مغالاة بالنسبة لأسر كثيرة، إذا ما فكرت في ارتياد الشاطئ أكثر من مرة».

وفي بلد لم تعرف فيه المصايف التجارية بهذا الاتساع إلا خلال السنوات الأخيرة، يرى الناشط الليبي مخلص الحراري، من طرابلس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الشاطئ، الذي يفترض أن يكون متنفساً لجميع الليبيين، «تحول في كثير من المناطق إلى خدمة لا يستطيع تحمل تكلفتها سوى أصحاب الدخول المرتفعة»، كما لفت إلى أن «الشواطئ المفتوحة باتت تفتقد إلى الخدمات الأساسية، بل تختلط مياهها أحياناً بمياه الصرف الصحي».

وتعكس آراء على صفحات التواصل الاجتماعي جانباً من هذا الاستياء، حيث قال المهندس رضوان أعواج، من مدينة الزاوية (غرب)، إن الشواطئ المجانية «أصبحت الخيار الوحيد لكثير من الليبيين، في ظل وصول تكلفة الإقامة بالمنتجعات إلى ألف دينار لليلة، بما يجعلها مقتصرة على فئات محدودة، وهو ما يثقل كاهل بقية المواطنين».

أما المدونة الليبية «العنود الكرامة»، فقد دعت السلطات في شرق البلاد إلى وضع حد لما وصفته بـ«استغلال» بعض الشواطئ العامة، مشيرة إلى أن أسر عدة تضطر إلى دفع نحو 100 دينار مقابل استئجار مظلة وكراسي وكوخ بسيط ليوم واحد، رغم أن الشواطئ تعد ملكاً عاماً، مطالبة بفرض رقابة على الأسعار ومنع المغالاة في الرسوم.

ولم يقتصر الجدل على منصات التواصل، إذ رصدت وكالة الأنباء الليبية (وال) تصاعد النقاش المحلي حول تقلص الشواطئ العامة مع توسع المصايف الخاصة، وتحديداً في شرق البلاد، وسط مطالبات بتحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار السياحي، وضمان منافذ مجانية تتيح للمواطنين الوصول إلى البحر.

وتأتي هذه الشكاوى في وقت شهدت فيه السنوات الأخيرة توسعاً في إقامة المصايف والمنشآت السياحية، بصورة منظمة في بعض المناطق، وعشوائية (بوضع اليد) في مناطق أخرى، وهو ما يرى مواطنون أنه قلص المساحات المفتوحة أمام الأسر محدودة الدخل، رغم امتلاك ليبيا شريطاً ساحلياً يمتد لنحو 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.

وفي مسعى لاحتواء هذه الشكاوى، تستعد السلطات في غرب البلاد لافتتاح «مصيف تاجوراء العائلي» ضمن خطة «عودة الحياة»، بعد وصوله إلى مراحله النهائية، بهدف تطوير المرافق الساحلية، ورفع مستوى الخدمات، في خطوة تأمل أن توفر متنفساً أفضل للعائلات وتحسن جودة الشواطئ العامة، لكنها تطرح تساؤلاً لدى نشطاء حول أسعار خدماتها المنتظرة.

وتتعزز هذه المخاوف مع تجربة مماثلة في مدينة صبراتة، إذ أثار قرار البلدية إزالة المصايف القديمة وإعادة تشغيلها بصورة مباشرة ردود فعل متباينة، بعدما اشتكى مواطنون ومدونون من ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات، مع غياب المنقذين وإرشادات السلامة وأعلام التحذير، رغم الوعود بإعادة تطوير الشاطئ.

ولا يقتصر الجدل على الأسعار، إذ تمتد الانتقادات إلى غياب معايير السلامة في كثير من الشواطئ العامة، وسط نقص فرق الإنقاذ والرقابة. وزادت المخاوف بعد تداول فيديو لشاب يصطحب أسداً إلى شاطئ في تاجوراء (غرب)، في واقعة أثارت استياءً واسعاً.

وفي مواجهة هذه الانتقادات، أكد مدير إدارة العلاقات العامة بجهاز الحرس البلدي في بنغازي، العقيد صلاح الساحلي، في تصريحات سابقة لـ«وكالة الأنباء الليبية»، أن الشواطئ العامة حق مكفول لجميع المواطنين، وأن الجهاز ينفذ حملات رقابية للتأكد من الالتزام بالقوانين المنظمة لاستخدامها، مشدداً على أنه لا يحق لأي جهة أو مصيف خاص منع المواطنين من الوصول إلى البحر، وأن الإجراءات القانونية تطبق بحق المخالفين.

ويرى مراقبون أن الجدل لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، وإنما بغياب سياسة واضحة لإدارة الشريط الساحلي، تحدد المساحات المخصصة للشواطئ العامة والاستثمار، بما يضمن حق المواطنين ويشجع الاستثمار المنظم.

من جهته، قال خالد العبار، رئيس مجلس إدارة الغرفة السياحية بالمنطقة الشرقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن تنظيم المصايف ينبغي أن يتم عبر الدولة الليبية وفق منظومة واضحة من الاشتراطات والضوابط، تحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار السياحي، وصون حق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ العامة المؤهلة لخدمة المواطنين.

وأوضح العبار أن التنظيم يجب أن يضمن وجود شواطئ عامة مجانية ومجهزة بخدمات الإنقاذ والأمن والنظافة، إلى جانب مصايف استثمارية تقدم خدمات إضافية وفق معايير محددة ورسوم عادلة، مؤكداً أن المشكلة ليست في الاستثمار بحد ذاته، وإنما في غياب التنظيم ووجود مصايف عشوائية تفرض رسوماً من دون إطار قانوني أو رقابي.

وانتهى إلى القول إن المصايف الاستثمارية يمكن أن توفر خدمات يحتاج إليها المصطاف، مثل المظلات والكراسي والطاولات والمرافق الصحية، مقابل رسوم تتناسب مع مستوى الخدمة، «لكن يجب ألا تتحول هذه الرسوم إلى عبء على المواطنين أو وسيلة لحرمانهم من حقهم في استخدام الشواطئ»، داعياً إلى وضع ضوابط موحدة للاستثمار السياحي.

تعكس هذه الظاهرة تصاعد الفجوة الاقتصادية في ليبيا، حيث يزداد الاعتماد على الخدمات الخاصة مقابل تراجع دور الدولة. من المتوقع أن يستمر هذا التوجه ما لم تتدخل الجهات الرسمية لتنظيم قطاع المصايف وضمان معايير دنيا للشواطئ العامة. ويرى مراقبون أن الحل يكمن في شراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق التوازن المنشود.