لم يعد الخلاف بين نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو بشأن سياسة إسرائيل وإيران مجرد تباين داخل إدارة دونالد ترمب. فمع قرب انتخابات التجديد النصفي والاستعدادات المبكرة لسباق 2028، يتحول الرجلان إلى رمزين لتيارين يتنافسان على وراثة الحزب الجمهوري: تيار 'أميركا أولاً' المناهض للحروب الذي يمثله فانس، والتيار المحافظ التقليدي المؤيد بقوة لإسرائيل والأكثر تشدداً مع إيران الذي يتبناه روبيو.

ويأتي هذا التباين في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية تحديات معقدة في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

صقور إسرائيل ضد فانس

على الرغم من نفي البيت الأبيض أي خلاف داخلي بشأن العلاقة مع إسرائيل، فقد سجلت وكالة رويترز تبايناً ملحوظاً بين موقفي فانس وروبيو.

وقد برز هذا التباين خصوصاً من خلال الدور الذي لعبه فانس في التوصل إلى مذكرة التفاهم مع إيران، وانتقاده المسؤولين الإسرائيليين المعترضين على مضمونها، فضلاً عن اعتباره بعض العمليات الإسرائيلية في لبنان عائقاً أمام جهود التهدئة الأميركية.

في المقابل، دافع روبيو عن حق إسرائيل في الرد على هجمات «حزب الله»، مؤكداً أن واشنطن تسعى إلى اتفاق مع طهران، ولكن ليس «بأي ثمن».

ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض يوم 23 أبريل (رويترز)

هذا الاختلاف أتاح لمؤثرين محافظين مؤيدين لإسرائيل داخل مؤتمر «الطريق إلى الأغلبية» الذي نظمه تحالف «الإيمان والحرية» في العاصمة واشنطن قبل أسبوعين، تحميل فانس مسؤولية الاتفاق. وصوَّر المؤثرون البارزون، مثل بن شابيرو ومارك ليفين، نائب الرئيس الأميركي مستعداً لتقديم تنازلات لإيران وتقييد حرية إسرائيل العسكرية.

لا تقتصر الحملة على الجدل حول السياسة الخارجية، بل تستهدف هدفاً سياسياً صريحاً: حرمان فانس من تحويل منصبه كنائب للرئيس إلى أولوية تلقائية في خلافة ترمب، وتمهيد الطريق أمام روبيو أو مرشح آخر أكثر توافقاً مع جناح الصقور الجمهوريين، مثل حاكم فلوريدا رون ديسانتيس وحاكم تكساس غريغ أبوت.

وهكذا باتت إسرائيل أداة فرز داخل اليمين: فأنصار فانس يرون أن دعم إسرائيل لا يعني الدخول في حروب مفتوحة أو إخضاع المصلحة الأميركية لحسابات حكومة بنيامين نتنياهو، بينما يعتبر خصومه أن التخلي عن الضغط الأقصى على إيران يهدد إسرائيل والولايات المتحدة معاً.

الإنجيليون لم ينحازوا

صحيفة «واشنطن بوست» قالت إن مؤتمر «الطريق إلى الأغلبية» أظهر فجوة بين حدة الخطاب الإعلامي ومزاج الحاضرين.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال اجتماع وزاري حول العنف السياسي يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)

فعلى الرغم من التأييد الكبير لإسرائيل وللحرب على إيران، بقي كثير من المشاركين منفتحين على ترشيح فانس؛ بل أشادوا بفعاليته وولائه لترمب وخدمته السابقة في مشاة البحرية. هذه المواقف لا تمثل استطلاعاً علمياً، ولكنها تكشف أن إسرائيل، على أهميتها الدينية والسياسية لدى الإنجيليين، ليست المعيار الوحيد لاختيار المرشح. فهذه القاعدة تهتم كذلك بقضايا الإجهاض، والحريات الدينية، والهجرة، والمحاكم، والتعليم، والقدرة على مواجهة الديمقراطيين.

وتجربة ترمب نفسها أثبتت أن الناخب الإنجيلي قد يتجاوز تحفظاته الشخصية أو العقائدية عندما يقتنع بأن المرشح سيقاتل من أجل أولوياته. ويستفيد فانس من قربه من ترمب، ومن خطابه الثقافي المحافظ وحديثه المتكرر عن الإيمان والعائلة. أما روبيو، فيقدم نفسه بوصفه أكثر خبرة دولية، وأشد وضوحاً في الدفاع عن إسرائيل، وأكثر طمأنة للمؤسسات الجمهورية القديمة والمانحين المحافظين. ورغم أن كليهما كاثوليكي، فإنها يستخدمان لغة دينية تلقى صدى لدى الإنجيليين.

فرز مبكر

بدأت عملية الحشد الانتخابي مبكِّراً، ولكنها ما زالت في مراحل متقدِّمة ومفتوحة على كل الخيارات. فقد أظهر استطلاع لـ«إيمرسون» في مايو (أيار) تقارباً شديداً، بحصول فانس على 36 في المائة، وروبيو على 35 في المائة، بين ناخبي الانتخابات التمهيدية الجمهوريين.

وكان روبيو أقوى بين من تجاوزوا الخمسين، بينما تقدم فانس بين الأصغر سناً. وفي المقابل، منح استطلاع مؤتمر العمل السياسي المحافظ «سيباك» فانس تقدماً أوضح، ما يعكس قوته داخل قلب حركة «ماغا».

فانس وروبيو لدى وصولهما لمتابعة كلمة الرئيس ترمب للأمة في البيت الأبيض مساء 16 يوليو (رويترز)

وتُفسِّر الفوارق السِّنية جانباً مهماً من المعركة. فالجمهوريون الأكبر سناً والإنجيليون التقليديون أكثر ارتباطاً بإسرائيل وبالسياسة الخارجية التدخلية، بينما أصبح الجيل المحافظ الأصغر أكثر تشككاً في الحروب والتحالفات المكلفة. وقد أظهر مركز «بيو» أن غالبية الجمهوريين دون الخمسين باتوا ينظرون سلباً إلى إسرائيل، مع بقاء التأييد قوياً بين الجمهوريين الأكبر سناً والإنجيليين البيض.

لذلك، لم تتحول المنافسة بعد إلى خيار بسيط بين مرشح «مع إسرائيل» وآخر «ضدها». الأرجح أن روبيو سيحاول جعل التشدد تجاه إيران والالتزام بإسرائيل دليلاً على الجاهزية للمنصب الأرفع في البلاد، بينما سيقدم فانس نفسه حامياً لـ«ترمبية» لا تريد «حروباً أبدية». وسيظل العامل الحاسم هو موقف ترمب نفسه ونتيجة الاتفاق مع إيران: نجاحه يمنح فانس رصيد صانع السلام، أما انهياره وعودة الحرب -وهو السيناريو الأقرب اليوم- فيعزِّزان حجة روبيو والصقور.

هذه الصراعات الداخلية تعكس انقساماً أوسع داخل الحزب الجمهوري حول أولويات السياسة الخارجية، وتشير إلى أن قضية إسرائيل وإيران ستظل محوراً رئيسياً في المعركة الانتخابية المقبلة. ويراقب المراقبون كيف ستؤثر هذه التوترات على قرارات الإدارة قبل انتخابات التجديد النصفي، وما إذا كانت ستؤدي إلى تعديلات في السياسة الأميركية تجاه المنطقة.