تتعدد الأبعاد الزمنية في السينما؛ إذ يتقاطع زمن الأحداث الدرامية مع زمن السرد، إلى جانب التوقيت الدقيق الذي يخصصه المخرج لكل لقطة، والمساحة الزمنية المتاحة لتشكيل ملامح كل مشهد على حدة.

تُعد هذه المعالجة جزءاً من مسيرة المخرج كريستوفر نولان في استكشاف المفاهيم الفلسفية المعقدة من خلال قوالب سينمائية ملحمية.

يُعرف المخرج كريستوفر نولان بتبنيه لزمن خاص في معظم أعماله التي تجاوزت عشرة أفلام، وهو الزمن الوجداني المرتبط بدواخل شخصياته الرئيسية. فمنذ عمله الأول «ميمنتو» (2000) وصولاً إلى فيلمه «الأوديسة»، تبرز ساعة نفسية لدى أبطاله تدفعهم للعيش بين زمنين متوازيين، أو الانتقال المتواتر بين أزمنة تحمل دلالات وجودية متباينة.

في «الأوديسة» هناك تلك الساعة داخل شخصية بطله أودسيوس (مات دايمون) أساساً لكنها أيضاً في داخل شخصيات أخرى. هذه الساعة التي في داخل أودسيوس تؤرقه. تتركه عالقاً بين زمانين؛ واحد بدأ فيه مسيرة العودة إلى الماضي وآخر يبدأ بمسيرة الرغبة في استقبال الغد والعودة إلى الحياة الطبيعية إذا ما كان لها وجود.

المخرج كريستوفر نولان في موقع تصوير فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

حوارات فكرية

كل من «الأوديسة» حسب مؤلفها هومر و«أوديسة» حسب نولان يبدآن من حيث سقطت طروادة نتيجة الخدعة التي تمّت لتسلل محاربي أودسيوس داخل الحصان الخشبي. في الفيلم يوجه نولان فصولاً لكيف تم تنفيذ الخدعة وكيف تم خوض تلك الحرب. كيف عاشها ثم كيف نظر إليها بعد انتهائها. يقول أودسيوس لرجاله: «لقد انتهكنا كل ما هو مقدّس بين الناس وحوّلنا القتال إلى صيد».

مات دايمون في دور أوديسيوس (يونيفرسال-أ.ب)

ترتفع تلك الكلمات في فضاء الحاضر لأنها التعليق الأول لنولان حول عصر الحروب الحالي. كما كان حال «أوبنهايمر» الذي لم يكف عن موازاة حكاية حياة مخترع القنبلة النووية وأعماله ثم معارضته (بعد فوات الأوان) لها بما يجول في بال المشاهدين من مخاطر آنية، يسدد نولان تلك العبارة لكي تنفذ إلى عقول مشاهديه. وإذا كان هناك ما هو مميّز فعلاً في فيلم «الأوديسة» فهو قدرة الفيلم، ومن ورائه موهبة نولان، في تحويل أفلامه من مجرد حكاية تحمل عناصر الغموض والتشويق واللعب بالزمن إلى حوارات فكرية؛ إلى قيمة جوهرية حول الحياة في زمن آخر وانعكساته على الزمن الحاضر.

إخلاص ورغبة

لقد مضت ثماني عشرة سنة منذ محاولات بطل الفيلم الإغريقي الانتصار على طروادة وتطويعها. عشر سنوات من المعارك انتهت بدخول القلعة المتينة والتنكيل بمن فيها ثم ثماني سنوات من بقاء أودسيوس في حاضرة المكان قبل أن يبدأ رحلة العودة إلى زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) التي بقيت مخلصة له طوال تلك السنوات على الرغم من كثرة الذين حاولوا احتلال مكانة زوجها. معها في الدفاع عنها ابنها تيليماكوس (توم هولاند) الذي يمنحها الأمل في أن والده أودسيوس ما زال حيّاً. والفيلم يصوّر رحلة العودة الزاخرة بالأحداث والمواقف والمعارك أيضاً، خصوصاً ضد ذلك الوحش الأسطوري الذي يعيش على التهام البشر.

آن هاثاواي في الانتظار (يونيفرسال)

لا يركز نولان في أسلوبه الإخراجي على استعراض العنف أو استخدام التخويف لتحقيق تأثير سطحي لدى الجمهور؛ فعلى الرغم من وجود المعارك، إلا أنه يختار نقاط القطع بذكاء بعد استنفاد الدلالة المعنوية للحدث. وبذلك، يتجاوز نولان العنف المباشر ليجعله أداة تجسيدية لمفاهيمه الفلسفية.

روبرت باتنسون وشخصية مركّبة (يونيفرسال - أ.ب)

أنطينيوس (روبرت باتنسون) من بين أخطر طالبي القرب من بينيلوبي (كما يرد في وصف هومر). النص الإغريقي يصف أنطينيوس بأنه «شجاع وجريء ووقح». يستلهم نولان هذه الصفات ويمنحها باتنسون كل تجسيد ممكن ببراعة، خصوصاً أنه أيضاً يعيش في زمانين متوازيين: الأول إخلاصه للمملكة ومحاولته الوصول إلى قلب بينيلوبي ما يناقض ذلك الإخلاص. هذا يقع بينما ينطلق أودسيوس في رحلة العودة إلى زوجته ومملكته فوق جزيرة إيثاكا محملاً بشعور الذنب بسبب طول المدّة التي أمضاها بعيداً.

جانبان

معالجة المخرج والسيناريو الذي شارك في كتابته توفّر لبطله القدرة على تجاوز المعضلات العاطفية والمصاعب الخطرة التي يتعرّض إليها بغية تأكيد سعيه للعودة إلى ماضيه وزوجته وابنه، وهي الرغبة التي تعارضها كاليبوسا (تشارليز ثيرون) التي تريد الاحتفاظ به لنفسها. يرغب نولان هنا في تجسيد معاناة إنسانية ضمن المغامرة المنشودة عبر طرح التحدّيات الإنسانية أمام بطله ومشاعره المتباينة.

جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

هناك الكثير مما تحتويه شخصية أودسيوس كما يؤديها مات دايمون بتوجيه خاص. لجانب شعور شخصيّته بالذنب يحتفظ أودسيوس بمزيج من القوّة الروحانية التي تتيح له اعتبار نفسه فوق باقي البشر والضعف الإنساني الذي يحوّله، في الوقت نفسه، إلى رجل بسيط يريد البقاء حيّاً كالآخرين من دون بطولة استثنائية بين أترابه. لكن الجانب الأول هو الذي يسود وهو الأكثر ظهوراً لأننا في نهاية الأمر، وكمشاهدين، لا نريد أن نتابع حكاية رجل يعاني من مشاعر داخلية تؤدي به إلى هزيمة نفسية تنفي عنه صفة البطولة. ليس في فيلم من هذه الفئة التاريخية القائمة على ميثولوجيا من الحروب والدروس.

مقارنة

لمن لم يقرأ «الأوديسة» كما وضعها هومر (متوفرة على النت لمن يرغب) فإن ما يراه على الشاشة قد لا ينتمي إلى هومر بالضرورة إلا من حيث الاستلهام المبدئي. الفيلم يمكن أن يقف منفرداً ومنعزلاً عن أي أساس سابق باستثناء أن جزءاً من خلفيّته (حرب طروادة) تتعامل والتاريخ الفعلي. في الفيلم لا خيوط تميّز ما بين الأصل الأدبي والناتج المصوّر. ليس أن نولان فشل في نقل النص الأصلي بل لأنه اكتفى (في نحو ثلاث ساعات) بما يكفل تقديم حكاية تاريخية ذات شجون وعلاقات مع الحاضر قدر المستطاع. حكاية تحتوي على المغامرة والمعارك والحروب والميثولوجيا في آن واحد وبشكل مستمر. وهي جميعاً تمر على الشاشة في تجسيد لحب المخرج لسينما لا تعرف الحدود ولا الخنوع للشروط المادية منها والفنية.

مات دايمون في دور أوديسيوس (يساراً) وزندايا في دور أثينا في مشهد من «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

في حين يصب هذا الفيلم، كنوع درامي، في خانة أعمال ريدلي سكوت التاريخية («مملكة السماء»، «نابليون»، «غلادياتور» إلخ...) يتميّز نولان عنه برؤية تتجاوز سرد التاريخ صوب منحه حضوراً في الذات والحاضر. في بعض أداءات ممثليه تفاوت في المستويات وتفسير الممثلين لشخصياتهم. لكن الفيلم في مجموعه هو «نولاني» مائة في المائة وكما لم يسبق له أن أنجزه على هذا النحو مطلقاً من قبل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended

يؤكد فيلم «الأوديسة» انتقال نولان من مجرد صانع أفلام تشويقية إلى محاور فكري يربط الأساطير القديمة بالواقع المعاصر. وبينما تستمر رحلة أودسيوس في تجسيد صراعات الإنسان الأبدية، يظل ترقب الجمهور لكيفية معالجة السينما المعاصرة للحروب والأخلاق التحدي الأبرز في مشروعه الفني.