في حملات صيفية مكثفة، تسوق شركات التطوير العقاري في مصر لمنتجاتها الساحلية بأسلوب يجمع بين الفخامة والإغراء، عبر إعلانات تلفزيونية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تحظى بانتشار واسع. ومن بين هذه الإعلانات، انتشر مقطع فيديو يروّج لفيلا في منتجع «هاسيندا» بالساحل الشمالي، يعرضها بسعر 450 مليون جنيه بدلاً من 490 مليون جنيه، مع إمكانية التقسيط على 8 سنوات.

تأتي هذه الحملات الإعلانية في وقت يعاني فيه المواطن المصري العادي من ضغوط اقتصادية متزايدة، مما يجعل الفجوة بين واقع الفقر وفخامة الإعلانات محط سخرية واسعة.

تحول هذا الإعلان، الذي يسلط الضوء على الخصم وجاذبية التقسيط، بسرعة إلى مادة للسخرية بين مستخدمي المنصة، حيث تركزت التعليقات حول المبلغ المذهل، فاستنكر أحدهم قائلاً: «اشتريها عشان أتحذف من بطاقة التموين؟!» في إشارة إلى فقدان الدعم التمويني الحكومي. واشترط آخر قبل إتمام الصفقة: «فيه ميكروباص أو أتوبيس بيعدي على القرية؟ مش معقول اشترى في مكان ملهوش مواصلات وأضيع فلوسي على تاكسي».

لم تقتصر التعليقات على النكات العابرة، بل شهدت منصات التواصل موجة من المفارقات الكوميدية الصارخة بعد تداول أسعار الفيلات في الساحل الشمالي، التي بلغت أرقاماً فلكية لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي للمواطن العادي، حيث تبدأ من 3 ملايين جنيه في بعض المشروعات وتصل إلى 500 مليون جنيه في أخرى (الدولار يساوي 49.74 جنيهاً).

فمع حلول صيف هذا العام، تعلقت الأنظار بالساحل الشمالي، مع إعلان الشركات العقارية الكبرى عن مشروعاتها العملاقة في منتجعاته، والتسابق فيما بينها لعرض جوانب التميز والفخامة لجذب راغبي الشراء من الأثرياء، والتي كان لافتاً فيها أسعار الفيلات بما تسجله من مبالغ ضخمة، وهو ما استقبله غالبية المصريين بالدهشة، مُحولين تلك القيم المالية المُعلنة إلى مادة للتندر، والفخامة المُفرطة إلى سخرية.

المبالغ الضخمة لبيع فيلات الساحل الشمالي أثارت تندر المصريين (الشرق الأوسط)

ومع كل إعلان جديد تتجدد المفارقات الكوميدية، إذ يستقبله رواد «فيسبوك» و«إكس» بإطلاق التعليقات الهزلية، بما يعكس تناقضاً بين الأحوال المعيشية وبين ما يُعرض دعائياً، يقول أحدهم: «كثيرون حول فيلل مراسي وكثيرون أيضاً عند عم بشندي»، في إشارة إلى الإقبال على شراء الفيلات من جانب الأغنياء في المنتجعات الأعلى سعراً التي أسسها مستثمرون، وفي المقابل التزاحم على مطاعم الفول، القوت اليومي للبسطاء.

كما استغل البعض أسعار الفيلات لعقد المقارنات الهزلية، يقول أحد المعلقين: «دي أسعار مش في مصر، دي أسعار في Egypt»، في إشارة أخرى إلى التناقض والطبقية التي تظهر بين مجتمعين متوازيين هما (مصر) و(إيجبت). وهو ما امتد إلى تعليق آخر يقول: «ناس تشتري فلل بالملايين... وناس تحسبها بالملاليم»، بينما تداول آخرون تعليقاً مضمونه: «طبيعي بعد الأسعار الخزعبلية بتاعة الساحل الشرير لازم نبوس رملة الساحل الطيب».

واستدعى آخرون مقطع فيديو انتشر بشكل واسع مؤخراً لشخص يستنكر وجود «ناس عادية تدخل منتجع (مراسي)، ويقومون بشراء طلبات بسيطة، مثل 20 جنيه جبنة بيضاء»، قبل أن يظهر أنه يسخر، حيث استخدم المقطع للإشارة أيضاً إلى الطبقية. ويمتد الساحل الشمالي من غرب مدينة الإسكندرية حتى السلوم (أقصى شمال غربي مصر)، ويطلق مسمى «الطيب» على الجزء الشرقي منه بداية من الإسكندرية، وحتى «مارينا»، وتوسعاتها من 1 إلى 7، ليبدأ منها الساحل الشرير حيث المنتجعات الأعلى سعراً، مثل «هاسيندا»، و«مراسي»، ثم الامتدادات الجديدة غرباً حتى «رأس الحكمة» و«سيدي حنيش».

أحد الكوميكسات المنتشرة على السوشيال ميديا (فيسبوك)

ويرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن مقولة «شر البلية ما يضحك» تنطبق تماماً على موجة السخرية المرتبطة بأسعار العقارات في مصر، موضحاً أن ارتفاع نسب الفقر مع اتساع الفجوة الطبقية، والانقسامات المجتمعية التي تظهر بشكل كبير في الوقت الحالي، يعمّق شعور الطبقة المتوسطة والدنيا بالتهميش، ما جعل المصريين يلجأون إلى الكوميديا كوسيلة للتنفيس عن عجزهم أمام واقع اقتصادي يتركز في العقارات، والذهب، والفضة كملاذات لحفظ الأموال.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن التعليقات الساخرة تكشف إدراكاً لحجم التفاوت الطبقي، حيث يرى كثيرون أن هناك «شعبين» داخل مصر، أحدهما يعيش في «الكومباوندات» و«المولات»، والآخر يواجه أزمات معيشية يومية، هذا الإدراك يخلق حالة من الغضب المكبوت، الذي في الغالب يجد متنفسه في الكوميديا الرقمية التي أصبحت ساحة طبيعية للتعبير، لافتاً إلى أن المصريين يجدون في «السوشيال ميديا» مساحة للتعبير عن أنفسهم، ما يدفع الناس إلى اللجوء للسخرية، والكوميكس كوسيلة بديلة.

المقارنات الهزلية بين الساحل «الطيب» و«الشرير» تواصلت مع أسعار الفيلات خلال الصيف الحالي (الشرق الأوسط)

تعكس موجة السخرية من أسعار الفيلات الفاخرة اتساع الفجوة الطبقية في المجتمع المصري، حيث يلجأ المواطنون إلى الكوميديا كوسيلة للتنفيس عن الإحباط الاقتصادي. ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة قد تتفاقم مع استمرار ارتفاع أسعار العقارات وتحولها إلى ملاذ استثماري للأثرياء، بينما تزداد معاناة الطبقات المتوسطة والدنيا.