تبدي باريس قلقاً بالغاً إزاء التصعيد الخطير في منطقة الخليج، على خلفية الضربات المتبادلة بين القوات الأميركية والحرس الثوري الإيراني حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، والغموض الذي يكتنف البند الخامس المتعلق بإدارة المضيق في مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في 18 يونيو (حزيران) الماضي.

وتأتي التصريحات الفرنسية الأخيرة ضمن جهود باريس المستمرة للحفاظ على نفوذها في الملف الإيراني.

غير أن حرص باريس على عودة الطرفين إلى الالتزام بنص المذكرة يدفعها إلى تخفيف موقفها المتشدد تجاه إيران، سواء فيما يتعلق بشروط إغلاق الملف النووي أو رفع العقوبات. ويُذكر أن باريس كانت محركاً رئيسياً لإعادة العقوبات على طهران عبر تفعيل آلية «سناب باك» في مجلس الأمن الدولي أواخر الصيف الماضي.

وليس سراً أن باريس تراهن على ورقتين لضمان حضورها والتأثير في الملف الإيراني: الأولى ورقة العقوبات، والثانية «المهمة الدولية» التي تدفع بها إلى الأمام بالتنسيق مع بريطانيا، سواء لنزع الألغام من مضيق هرمز أو لمواكبة الناقلات والسفن الراغبة في العبور منه في الاتجاهين.

شروط رفع العقوبات

جاءت هذه التصريحات على لسان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، صباح الاثنين، في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في» وإذاعة «آر إم سي». وكان حديث بارو حول ملف العقوبات حاسماً وقاطعاً.

وليست هذه المرة الأولى التي يتناول فيها بارو هذا الملف. فباريس، التي تريد أن يكون لها دور في تقرير مصير الملف الإيراني، النووي وغير النووي، تذكّر بأنها منخرطة فيه منذ عام 2003، وأنها كانت، إلى جانب بريطانيا وألمانيا، من الدول الموقعة عام 2015 على الاتفاق النووي المعروف بصيغة «خمسة زائد واحد»، قبل أن تنسحب منه إدارة الرئيس دونالد ترمب عام 2018، خلال ولايته الأولى.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول مجموعة السبع في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

ومنذ ما قبل الاتفاق، سلّطت باريس الضوء على ورقة رفع العقوبات الأوروبية، التي تستطيع تعطيلها داخل الاتحاد الأوروبي بسبب العمل بقاعدة الإجماع، أو في مجلس الأمن عبر اللجوء إلى حق النقض «الفيتو».

وفي تصريحاته، قال بارو: «لن يكون هناك أي رفع للعقوبات المفروضة على النظام الإيراني ما لم يتخلَّ عن برنامجه النووي، ويتخلَّ عن مشروعه الثوري الذي يزعزع استقرار منطقته، ويتخلَّ عن برنامجه للصواريخ الباليستية، التي قد يصبح بعضها في يوم من الأيام قادراً على استهداف أوروبا».

ويربط بارو بذلك رفع العقوبات الأوروبية بثلاثة شروط: تخلي طهران عن برنامجها النووي، وبرنامجها للصواريخ الباليستية، وسياستها القائمة على دعم أذرعها في المنطقة، التي يشير إليها بعبارة «المشروع الثوري» الإيراني.

ملف حقوق الإنسان

غير أن الملاحظة الأهم هي أن بارو ينتقد، بصورة غير مباشرة، مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، التي لا تشير إلا إلى الملف النووي. وقد شكّل هذا الجانب إحدى أبرز النقاط التي تركزت عليها الانتقادات الموجهة إلى المذكرة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

ولا يكتفي بارو بذلك، بل يطرح شرطاً إضافياً؛ إذ يربط رفع العقوبات بأن يعيد النظام الإيراني للإيرانيين «حرية رسم مستقبلهم بأنفسهم». والملاحظ أن الوضع السياسي الداخلي في إيران لم تتناوله مذكرة التفاهم، كما غاب عن تصريحات واشنطن ومطالبها وشروطها.

ومع ذلك، ثمة صعوبة في تحويل ما يشدد عليه بارو إلى معيار قابل للقياس. فهل المقصود إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة في إيران، أم أن المطلوب أن يتخلى النظام الحالي عن السلطة في طهران؟ وفي جميع الأحوال، تثار تساؤلات حول قدرة باريس على التمسك بشروطها الخاصة بالعقوبات إذا وافقت واشنطن على رفعها، أو إذا ربطت طهران توقيع اتفاق نهائي مع الجانب الأميركي بالتخلي عن جميع العقوبات الأوروبية والدولية.

وحرص الوزير الفرنسي على التذكير بأن بلاده، إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي، فرضت مجموعة من العقوبات المشددة على إيران بسبب برنامجها النووي، وسياستها الإقليمية، وقمعها للحريات، وكان آخرها ما فُرض بعد أحداث مطلع العام التي أسفرت عن مقتل الآلاف.

ولا تمنع هذه القراءة المشروطة باريس من إعلان دعمها لمذكرة التفاهم وتمسكها بضرورة العمل بموجبها. وفي هذا السياق، دعا بارو جميع الأطراف إلى العودة إلى «إطار التفاوض الذي حدده هذا الاتفاق»، مؤكداً أنه «لا مصلحة لأي طرف في التصعيد».

وأضاف أن «أي تصعيد جديد لن يخلّف سوى الخاسرين، سواء في إيران أو الولايات المتحدة أو في مختلف أنحاء العالم».

ولمزيد من الإيضاح، قال: «لنتذكر ما حدث عندما ارتفعت أسعار المحروقات بشكل كبير، بعدما كانت قد انخفضت قليلاً بفضل وقف الأعمال العدائية». كما دعا بارو كلاً من إيران والولايات المتحدة إلى «الالتزام» بالتعهدات التي قطعتاها «قبل شهر».

طائرات مقاتلة من طراز «رافال» على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية بسنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

التحالف الدولي لمضيق هرمز

منذ أبريل (نيسان) الماضي، أطلقت باريس ولندن مبادرة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، انضمت إليها عشرات الدول الأوروبية وغير الأوروبية. وأشار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون في خطابه إلى القوات الفرنسية بمناسبة العيد الوطني، الاثنين، إلى قدرة باريس على إطلاق «تحالفات دولية»، معتبراً ذلك إحدى ركائز قدراتها الدبلوماسية والسياسية.

وبعد تأرجح في الموقف الأميركي من المبادرة الفرنسية - البريطانية، أصبحت باريس ولندن أكثر «ارتياحاً» عقب تعديل الرئيس دونالد ترمب موقفه خلال قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان، حيث تضمنت إحدى فقرات «إعلان إيفيان» إشارة إلى هذه «المهمة».

وسارع ماكرون إلى التأكيد على أن نشر المهمة «يمكن أن يتم خلال يومين أو ثلاثة»، مستنداً إلى وجود قطع بحرية أوروبية حالياً في بحر عُمان، لكن من دون حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول»، التي عادت إلى مرفأ طولون على البحر المتوسط.

ومع ذلك، لا يبدو حتى الآن أن «المهمة»، التي أُريد لها منذ البداية أن تكون محايدة وسلمية، وأن تنطلق بعد انتهاء العمليات العسكرية وبالتفاهم مع عُمان وإيران والولايات المتحدة، ستبدأ قريباً. ويرتبط ذلك بعاملَين غير محسومَين: أولهما توقيت انتهاء الحرب أو توقف العمليات العسكرية، وثانيهما موقف طهران التي تتمسك بموقف مبدئي عنوانه رفض أي وجود عسكري أجنبي في مياه المضيق.

اقرأ أيضاً

ثلاثة فتيان يلعبون بالمياه الضحلة لمضيق هرمز في حين يتصاعد عمود من الدخان إثر انفجار في الخلفية قبالة بندر عباس الاثنين (أ.ب)

مذكرة إسلام آباد تدخل «مرحلة الأزمة» وسط مساعٍ إقليمية لوقف التصعيد

ويبدو أن الموقف الفرنسي يشكل عقبة أمام أي تقارب أميركي إيراني خارج إطار الاتفاق النووي، خاصة مع إصرار باريس على رفع العقوبات بثلاثة شروط. وقد تتصاعد الخلافات بين واشنطن وباريس حول إدارة الملف الإيراني، مما قد يؤثر على تماسك الموقف الغربي.