Sports in Arab Schools... Deferred Classes
ملخص
تستعرض «اندبندنت عربية» وضع حصص التربية البدنية في المدارس العربية، وتثير أسئلة حول مدى توفر البنية التحتية والوقت الكافي لتقديم تدريب بدني حقيقي، وكيف يمكن للنظام التعليمي أن يصبح كاشفاً للمواهب الرياضية منذ الصغر وتوجيهها نحو الاحتراف والمنتخبات الوطنية، ولماذا تظل كرة القدم هي المهيمنة رغم انفتاح المجال على جميع الرياضات، وما هو الأثر الفعلي للرياضة في المناهج الدراسية العربية.
تعد حصص التربية البدنية في العالم العربي مجالاً مهملاً غالباً، رغم دورها المحوري في تنمية المهارات الحركية والصحة العامة للطلاب.
عند انطلاق أي بطولة رياضية عالمية يشارك فيها رياضيون أو منتخبات عربية، تثار نقاشات حول أساليب اكتشاف المواهب ودور المؤسسات المختلفة كالمدارس والنوادي ومراكز الشباب، وتأتي حصص التربية البدنية في المدارس العربية كإحدى أهم الوسائل التي يُفترض أن تُكتشف من خلالها المواهب الرياضية وتُطور لاحقاً.
وفقاً لملف مشترك أعدته «اندبندنت عربية» وشمل 11 دولة عربية، يبدو أن حصص التربية البدنية لا تحظى بالاهتمام المطلوب، إذ تحولت إلى حصص ترفيهية لكسر رتابة التعليم بسبب غياب بنية تحتية رياضية من ملاعب ومساحات وأدوات، بالإضافة إلى أن زمن الحصة لا يتجاوز 50 دقيقة بمعدل حصتين في الأسبوع كحد أقصى.
وإضافة إلى تلك التحديات ووسط غياب الرغبة الرسمية في غالبية الدول العربية، في ظل التحول إلى اهتمامات دراسية علمية ونظرية، يبقى أيضاً عدم وجود مدرسين رياضيين مؤهلين رياضياً وأكاديميين أحد أهم العوائق التي تقف أمام فاعلية تلك الحصص، إذ تغيب مسابقات تعيين هؤلاء المدرسين الرياضيين في ظل تعيينات لمصلحة المواد الدراسية، مما يعزز النظرة الترفيهية والثانوية إلى الحصص الرياضية التي يمكن أن تستثمر من خلالها البلدان العربية في اكتشاف مواهبها والبناء عليها.
"اندبندنت عربية" ترصد واقع الحصص الرياضية بالمدارس العربية، وتطرح تساؤلات: هل تمتلك مدارسنا اليوم البنية التحتية والزمن الكافي لتقديم محتوى بدني حقيقي؟ وكيف يمكن للمنظومة التعليمية أن تتحول إلى كشاف ذكي يلتقط المواهب الرياضية في مهدها ويوجهها نحو منصات الاحتراف والمنتخبات الوطنية؟ لماذا على رغم أن قوس الرياضة يبقى مفتوحاً ليشمل جميع الرياضات فإنه يظل مغلقاً على كرة القدم؟ وأخيراً أي أثر رياضي في المناهج بالمدارس العربية؟
مصر... حصة ترفيهية
البداية من مصر، التي يسجل عدد طلابها بالمدارس نحو 28 مليوناً في كل مراحل التعليم ما قبل الجامعي، فإن حصص التربية الرياضية تعد مادة نجاح ورسوب، لكن لا تضاف درجاتها إلى المجموع الكلي، والهدف الأساس منها هو تحسين اللياقة البدنية والصحة العامة للطلاب، ولها منهج محدد لكل مرحلة من مراحل التعليم يفترض أن يسير على نهجه معلمو التربية الرياضية في المدارس، فعلى أرض الواقع فإن الأساس موجود، لكن هل التطبيق فاعل وهل يحقق هدفه في جعل الرياضة على أولويات الطلاب وتأهيل الموهوب منهم؟
ربما بعض المدارس الخاصة أو الدولية في مصر لديها إمكانات أكبر وتتوافر فيها الملاعب وكل الوسائل، لكن السواد الأعظم من طلاب مصر في المدارس الحكومية التي تنتشر في طول البلاد وعرضها التي يفتقر قطاع كبير منها إلى الإمكانات لا تحظى الرياضة فيها بالاهتمام الكافي.
يقول محمد حنفي، مدرس تربية رياضية بإحدى مدارس اللغات بالقاهرة "حصص التربية الرياضية لها أهداف عدة للطلاب، مثل ممارسة النشاط وتحسين اللياقة البدنية واكتشاف المواهب في الألعاب المختلفة، وأن يعتاد الطفل أن الرياضة جزء من حياته، لكن ما يحدث هو أن حصص التربية الرياضية، وإن كانت موجودة، فإنها تعامل على أنها جانب ترفيهي وليس أساساً حتى إنه يجري إلغاؤها في فترات ما قبل الاختبارات لمصلحة مواد أخرى أكثر أهمية من وجهة نظر القائمين على المدرسة، مثل اللغات والعلوم، فالنظرة ذاتها إلى حصص التربية الرياضية لا بد من أن تتغير قبل العمل على إصلاح أي شيء".
ويضيف حنفي "خلال عملي بإحدى مدارس اللغات نحرص على إقامة مسابقة بين الطلاب كل فصل دراسي لكرة القدم للأولاد وكرة السلة للبنات، لكن المدرسة مجهزة وبها ملعب، بعض المدارس الأخرى وحتى الخاصة مساحتها محدودة جداً، وليس بها أي إمكانات، بعض المدارس الحكومية بها ملاعب وإمكانات، لكن الأمر ليس بالأولوية، خلال نحو 15 عاماً عملت في أكثر من مدرسة، وجزء من المشكلة أن بعض الطلاب أنفسهم ليس لديهم الرغبة في أداء التمارين الرياضية، ويرونها شيئاً ليس له أهمية، بخاصة في المراحل الأكبر، بينما آخرون يكونون في منتهى السعادة، ويكون لهم نشاط رياضي بالفعل في أحد النوادي أو مراكز الشباب، فهناك عامل لا يمكن إغفاله هنا، وهو الأهل ومدى تقديرهم للرياضة، لأنه ينعكس على الطفل".
بعض المدارس الحكومية المصرية بها ملاعب وإمكانات لكن الأمر ليس أولوية لديها (رويترز)
حصص التربية الرياضية ليست فقط للبحث عن أبطال يحققون نتائج أو أرقام قياسية، لكن لها دور لا يقل في الأهمية عن أي وسيلة لإفراغ طاقة الأطفال، وإكسابهم الثقة بالنفس، وتنمية مهارات نفسية وتربوية عدة من بينها التعاون، والعمل الجماعي، واحترام الآخر والنظام، فحصص التربية الرياضية لا تقتصر أهميتها على الجانب البدني، لكن لها أثر نفسي وتربوي لا يقل في الأهمية.
وفق رؤية المتخصص التربوي مجدي حمزة "على رغم أن وزارة التربية والتعليم بذلت جهداً كبيراً في تطوير المناهج بصورة عامة، فإن الأنشطة على اختلافها، وإن كانت موجودة، فهي غير مفعلة، بينها التربية الرياضية، وحصص التربية الرياضية مدرجة في جداول المراحل التعليمية المختلفة، لكن الجدوى منها ليست كما يجب، وهذا لأسباب عدة، من بينها أن مصر بها أكثر من 65 ألف مدرسة، ويحتاج هذا إلى عدد كبير من مدرسي التربية الرياضية، وعلى أرض الواقع هناك عجز في هؤلاء المعلمين، فالأولوية للتعيين تكون لمدرسي المواد العلمية، غير أن بعض المدارس ليس بها ملاعب من الأساس أو أماكن تصلح لممارسة الرياضة".
ويضيف "حل هذه الأزمة لا بد من أن يكون عبر خطوات متتالية أولاها وجود خطة واضحة لتفعيل النشاط الرياضي في المدارس القصيرة الأجل وأخرى طويلة الأجل، وأن تكون الأنشطة عموماً سواء الفنية أو الموسيقية والرياضية أولوية في الجدول الدراسي، ولا تعامل على أنها مواد هامشية أو ترفيهية يمكن إلغاؤها أو الاستغناء عنها لمصلحة مواد أخرى، الأمر لا يحتاج إلى إمكانات كبيرة، وفي الوقت نفسه لا بد من إعادة المسابقات بين المدارس في الألعاب الرياضية المختلفة، هذه وسيلة فعالة للكشف عن المواهب الرياضية، ويمكن أن ينتج منها أبطال إذا أحسن تدريبهم، وأخيراً لا بد من العمل على تغيير ثقافة الناس بأن تكون الرياضة جزءاً من حياتهم، لأن هذا سينعكس بصورة مباشرة على رؤيتهم لأهميتها".
لبنان... تفاوت بين العام والخاص
أما لبنان فلا يزال في مراتب متأخرة في تقدير أهمية الرياضة بالسياسة الصحية والمجال التربوي، إذ تخضع الرياضة في المدارس الرسمية والخاصة لمنهج موحد بإشراف المركز التربوي للبحوث والإنماء التابع لوزارة التربية والتعليم العالي من الناحية النظرية.
لكن عملياً، تختلف درجات التطبيق وجودة النشاطات بين القطاعين العام والخاص، ويعود هذا الاختلاف إلى التفاوت على مستوى الموارد والبنية التحتية. وبصورة عامة، تخصص حصة أو حصتان في الأسبوع للتربية البدنية ضمن الجدول الدراسي الرسمي للمراحل التعليمية كافة، لكن تكثر التحديات اللوجيستية في المدارس الرسمية التي تعاني نقصاً في التجهيزات الرياضية وعدم توافر الملاعب المغلقة والواسعة، مما لا يسمح بممارسة أنواع الرياضات كافة.
أما المدارس الخاصة فتستثمر على نحو أفضل في المجال الرياضي، وفي المنشآت الرياضية، ولو بمستويات متفاوتة أيضاً بحسب مستوى المدرسة وإمكاناتها، فتتوافر الملاعب الواسعة والمجهزة في قسم كبير منها، ومن بينها ما يضم ملاعب كرة مضرب ومسابح وصالات مغلقة لتقديم اختيارات أوسع للطلاب وتعزيز قدراتهم في المجال الرياضي، حتى إن المدارس الخاصة تمتلك غالباً نوادي رياضية تنظم تدريبات وبرامج تتيح للطلاب المشاركة في بطولات محلية ودولية، لذلك يتمكن عدد كبير من طلاب المدارس الخاصة من المشاركة في دورات رياضية تنظمها الاتحادات الرياضية المخصصة للمدارس.
وفي المدارس التي تتبع المنهج الفرنسي، بصورة خاصة في لبنان، تعد الرياضة والتربية البدنية ركناً أساساً في النظام المدرسي، إذ تعتبر مادة إلزامية أساسية فيه، وهي تدخل في تقييم شهادة البكالوريا الفرنسية، وضمن الاختبارات الرسمية فيها، لذلك تركز هذه المدارس على الرياضة بصورة خاصة وتعمل على دمج التميز الرياضي مع التحصيل الأكاديمي.
وتخصص المدارس ساعات ثابتة أسبوعية لمادة التربية البدنية والرياضية، فتشمل الأنشطة هنا رياضات جماعية وفردية مثل كرة السلة والسباحة وكرة الطاولة. ويخضع الطلاب لتقييم مستمر واختبارات عملية مباشرة تحتسب درجاتها خلال الاختبارات الفرنسية الرسمية، وبطبيعة الحال تمتلك هذه المدارس منشآت وملاعب كبرى مجهزة تسمح بممارسة مختلف أنواع الرياضة في بيئة احترافية. ونظراً إلى دور الرياضة الجوهري في هذه المدارس يستطيع طلابها المشاركة في ألعاب رياضية دولية ومباريات لتمثيل لبنان ومنافسة مدارس فرنسية من مختلف دول العالم، كذلك تنظم مدارس خاصة أخرى، تركز ضمن برامجها التربوية على الرياضة وتعمل على تعزيز دورها في الحياة المدرسية وفي حياة الطلاب عامة، دورات ومنافسات رياضية يشارك فيها طلابها.
خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية" أوضحت رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء الدكتورة هيام إسحاق أن الرياضة كانت دوماً موجودة في المناهج التربوية وتخصص لها ساعة أو اثنتين في الأسبوع بالمدارس عامة، فيما يختلف المعدل بين المدارس الرسمية والخاصة، لكنها تشير إلى وجود تحد كبير، لا سيما في المدارس الرسمية، لعدم وجود أساتذة تربية بدنية بأعداد كافية، مما يؤثر في المساحة التي تخصص للتربية البدنية داخل المدارس.
تختلف درجات تطبيق حصص الرياضة وجودة النشاطات بين القطاعين العام والخاص في لبنان (رويترز)
لكن في الوقت نفسه تلفت إلى تحول حاصل في المناهج التربوية الجديدة، انطلاقاً من إدراك أهمية الرياضة، وأن التربية الصحيحة تجمع بين الصحة الجسدية والنفسية. فمن هذا المنطلق جرى التوجه إلى إحداث تعديل في المناهج التربوية الجديدة، تقول "نحن نتوجه إلى الطالب بشموليته ليكون قادراً على حماية نفسه من النواحي كافة، والتغيير الذي عملنا عليه اليوم ينبع من هذا الإدراك، وكان تركيزنا على الصحة والرياضة للطلاب كافة، إذ ستدخل التربية البدنية ضمن الاختبارات الرسمية، كما بالنسبة إلى شهادة البكالوريا الفرنسية ليكون ذلك منهجاً مختلفاً يعتمد على الكفايات".
لكن على رغم هذه الخطوة الهادفة إلى تعزيز دور الرياضة في التربية ونشر الوعي حول أهميتها ركناً أساساً في حياة الأفراد بدءاً من الطفولة والحياة المدرسية، فهي لا تخلو من التحديات من ناحية التطبيق، خصوصاً في المدارس الرسمية، ففي المدارس الخاصة قد يكون التطبيق ممكناً، لكن إسحاق توضح أن ثمة نقصاً كبيراً في أساتذة التربية البدنية المثبتين في القطاع الرسمي، فيما هناك كثر من المتعاقدين، مما قد يشكل تحدياً ما لم يعالج الوضع.
وحول أهمية تعزيز دور الرياضة في حياة الأطفال، يشدد المدرب الرياضي اللبناني آرام مانوكيان على أنه في فئة عمرية معينة من الولادة إلى عمر خمس سنوات تبلغ القدرة على التعلم الذروة. وتعد هذه المرحلة ذهبية من النواحي كافة، وفي حال عدم ممارسة الأطفال الصغار الرياضة بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع كحد أدنى، يمكن التحدث عن هدر للوقت الذي يكونون فيه أكثر قدرة على التعلم والتلقي، مما سينعكس حكماً على حياتهم وصحتهم خلال مرحلة الرشد.
ويشدد مانوكيان على زيادة عدد حصص الرياضة داخل المدارس، خصوصاً في أيامنا هذه التي يميل فيها الأطفال إلى نمط الركود وهم يفتقدون الأنشطة الجسدية التي كانت أكثر شيوعاً سابقاً، مما ينعكس على قدراتهم الجسدية سواء في الطفولة أو في مرحلة الرشد، ولا يزال هناك نقص في الوعي حول أهمية ذلك في لبنان، كذلك يجلس الأطفال طوال ست ساعات أو أكثر من دون ممارسة نشاط جسدي مما ينعكس سلباً عليهم، خصوصاً كأطفال وفي مرحلة تبلغ فيها معدلات الطاقة الذروة ويكونون خلالها بأمس الحاجة إلى الأنشطة الجسدية التي يمكن أن يستفيدوا منها.
السعودية... زمن الحصة محدود
وفي مدارس السعودية لا تهدف حصص التربية البدنية إلى صناعة لاعب محترف، بل ترتكز بصورة أساس على بناء بنية صحية تدعم النمو البدني للطالب، تتنوع فيها الأنشطة الرياضية، لتشمل رياضات وألعاباً متنوعة من كرة طائرة إلى السباحة وغيرها، والغاية منها رفع اللياقة لينطلق في ملعب كرة القدم بمرونة.
يقول معلم البدنية عبدالرحمن مساعد الزهراني إن النظرة الحديثة لحصة التربية البدنية تجاوزت المفهوم التقليدي، باعتبارها مساحة للترفيه أو مجرد حصة لممارسة كرة القدم، نحن اليوم ننظر إليها كمنصة لبناء الاستثمار البشري وتشكيل الوعي الصحي والبدني للجيل الجديد، الحصة أصبحت مظلة لرياضات نوعية عدة كالسلة، واليد، وألعاب القوى، والسباحة، التي تستهدف تطوير المهارات الحركية والذهنية معاً.
تشكل حصص التربية البدنية في المدارس السعودية ما بين حصتين إلى ثلاث في الأسبوع بمعدل زمن 50 دقيقة للحصة، وفي الغالب لا تؤخذ بصورة جادة من قبل الطلاب بخاصة إذا كان توقيت الحصة بداية اليوم الدراسي أو في نهاية اليوم الذي يوافق درجات حرارة مرتفعة بخاصة بالمدارس ذات الملاعب المكشوفة.
ويعلق الزهراني بخصوص مدة الحصة "في ما يخص الوقت نحن ندرك أن زمن الحصة محدود، ولذلك لا نطمح لصناعة لاعب محترف داخل أسوار المدرسة، بل يرتكز دورنا القيادي على التأسيس العلمي، وبناء الشغف واكتشاف الموهبة في مهدها"، مركزاً على أن دور المدارس هو وضع حجر الأساس وقيادة الطالب نحو المسار الرياضي التخصصي الذي يصقل موهبته في الأندية الرياضية.
يشير عبدالرحمن إلى أن مشروع "دوري المدارس" يمثل حجر الزاوية في التحول الرياضي بالبلاد، ونقلة نوعية حولت الرياضة المدرسية من إطار النشاط الداخلي المحدود إلى بيئة تنافسية مفتوحة وعريضة القاعدة على مستوى مناطق السعودية كافة.
لكن لتعظيم العائد الاستثماري من هذا المشروع الوطني الضخم، يجب أن يتواكب هذا الحراك المدرسي مع استراتيجية جذب نشطة من الأندية بحيث يحضر كشافو الأندية والاتحادات في الميدان بشكل دوري وممنهج. هذا الحضور هو الذي سيختصر الزمن، ويضمن التدفق السلس والمستدام للمواهب المدرسية نحو المنتخبات الوطنية.
مشروع "دوري المدارس" يمثل حجر الزاوية في التحول الرياضي بالسعودية (رويترز)
وفي ما يخص استقطاب المواهب وتطويرها، أشار الزهراني إلى أن المنظومة لا تزال في حاجة إلى "مأسسة وحوكمة" أوسع لربط المدارس بالأندية والاتحادات بصورة مباشرة ومستدامة، ويرى أنه من مسؤولية المعلم والمدرسة أن يؤديا دور الموجه والميسر، "نتابع بدقة تجارب الأداء التي تعلنها الأندية، ونقود الشراكة بين المدرسة وأولياء الأمور لتوجيه المواهب نحو هذه الفرص ليثبتوا جدارتهم في بيئة احترافية". يقول معلم البدنية "رؤيتي تتلخص في إطلاق المنصة الوطنية الموحدة لرعاية المواهب المدرسية، وهي منصة ذكية تربط المدارس بالأندية والاتحادات جغرافياً وفنياً بصورة مباشرة، لضمان انتقال الموهبة من مقاعد الدراسة إلى منصات التتويج عبر مسار آمن ومحوكم".
أما بالنسبة إلى عبدالله الجبرين، إداري كرة قدم فئة تحت 13- 14 سنة في نادي الرياض، فإن حصص التربية البدنية هي نقطة البداية لاكتشاف المواهب الرياضية وتنمية المهارات الأساسية واللياقة البدنية والعمل الجماعي، لكن لكي تصبح حصص التربية البدنية مصدراً حقيقياً لتأهيل اللاعبين واكتشاف المواهب فهي تحتاج إلى معلمي تربية بدنية مؤهلين، وبنية تحتية جاهزة وملاعب وتجهيزات مناسبة، وتنظيم بطولات مدرسية داخلية وخارجية وعلى مستوى المناطق، وتعاون مستمر مع الأندية والاتحادات الرياضية لاكتشاف المواهب وتطويرها.
يذكر أن السعودية أنشأت "أكاديمية مهد" عام 2021، وهي مشروع رياضي لاكتشاف وتطوير المواهب الرياضية بالسعودية ضمن مبادرات برنامج جودة الحياة، أحد برامج رؤية السعودية 2030، وتشمل جميع الرياضات، ويعد الانضمام لها مجانياً، وتستهدف الفئة العمرية من 6 إلى 12 سنة من الجنسين، وتهدف الأكاديمية إلى اكتشاف المواهب الرياضية وتنميتها وتطويرها.
سوريا... حصة فراغ
وفي سوريا تخصص وزارة التربية لعقود طويلة حصة لمادة الرياضة أو حصتين أسبوعياً حسب المراحل الدراسية لممارسة الرياضة، وبقيت دون المستوى المطلوب من الاهتمام والرعاية، إذ تفتقر إلى الأدوات والتجهيزات المناسبة، فضلاً عن البنية التحتية غير المناسبة، إضافة إلى مزاجية الإدارات المدرسية التي تعتبر بعضها "الرياضة" كحصة دراسية نوعاً من الرفاهية المفرطة، لا سيما لدى طلاب المراحل الدراسية النهائية، قبل الجامعية.
"حصة فراغ" الوصف الأكثر قرباً وتداولاً لتلامذة المدارس حين يحملها البرنامج الدراسي الأسبوعي المكتظ بالمواد العلمية والأدبية على حد سواء، فالرياضة والموسيقى أو الرسم أو غيرها من الحصص التي تعتمد على المواهب تبقى غير مدرجة على لائحة الاهتمام، إن كان من قبل الإدارة المدرسية، والأساتذة أنفسهم أو الطلاب، إذ تتحول تلك الحصة في كثير من الأحيان إلى رياضة حرة، في حين تكون أكثر صرامة بقليل أو تحظى بالاهتمام أكثر في مراحل التعليم الأساس.
ومع وصول الحكومة الانتقالية في دمشق كشف عن دراسة إحداث نواد وملاعب في كل مدرسة حسب توفر المساحة اللازمة، بينما يعبر مدرس التربية الرياضية، وهو خريج كلية رياضة، سامح عبدالغني إلى ضرورة إعادة النظر بالخطة الدراسية لتلك المادة والاهتمام بها أكثر، فقد ظلت مهملة ومهمشة طوال عقود سابقة حسب وصفه.
يقول عبدالغني "من المجدي إعادة تأهيل المدرسين لتلك المادة تأهيلاً رياضياً وأكاديمياً، وإخضاعهم لدورات تدريبة مستمرة، وتقديم الدعم الكافي عبر توفير الوسائل والمستلزمات المطلوبة، وغالباً حين إعطاء هذه الحصة يترك المدرس للطلاب حرية اختيار الألعاب الرياضية التي يمارسونها على هواهم كحصة لا أهمية لها، أو في حال تنفيذها فإن لكرة القدم النصيب الأكبر".
ويعتقد مدرس مادة الرياضة، عبدالغني "هنا تكمن المشكلة، على رغم أن لكرة القدم اللعبة الشعبية المحببة لأكثرية الطلاب أهميتها وفائدتها، لكن غالباً ما نسهو عن إعطاء دروس في رياضات مختلفة مثل كرة السلة أو كرة الطائرة، أو التنس، أو الذهاب إلى مزارع للخيول لتعلم رياضة الفروسية، ويبدو من الصعب تحقيقه، لكنه يجدي نفعاً ضمن رحلة مدرسية للتعرف إلى هذه الرياضة، وهذا التغافل عن بقية الألعاب يأتي من قبل صعوبة تأمين المستلزمات واللوجيستيات المطلوبة، لكن من المهم توفير مخرجات تعليمية مفيدة في اللياقة البدنية".
إلى اليوم ما زالت بعض المدارس السورية مدمرة وبحاجة إلى إعادة تأهيل (رويترز)
ومنذ التسعينيات وبغية إنشاء كوادر رياضية مدربة أحدثت الحكومة في دمشق كلية التربية الرياضية بهدف إعداد كادر من المتخصصين في مختلف علوم التربية الرياضية والبدنية واختصاصاتها التدريبية والتدريسية والإدارية وتزويدهم بمستوى عال من العلوم النظرية، ولعل من أهم أهداف الكلية التي أحدث لأجلها نشر ثقافة الجودة في مجال التربية البدنية.
وكانت مديرية الإشراف التربوي في وزارة التربية والتعليم نظمت ورشة عمل تخصصية في منتصف فبراير (شباط) الماضي ضمت متخصصين من المشرفين على تدريس مادة التربية الرياضية في مدارس المرحلة الأولى والثانية في مديريات التربية في دمشق وريفها لمناقشة تعزيز المهارات التعليمية، في حين يرى بعض مدرسي المادة أن الاهتمام بها يتطلب توفير كثير من المستلزمات، والبحث بأسلوب جديد لتنفيذ الخطة التعليمية للحصة في كل المحافظات.
ودعا الباحث والمطور في الأنشطة الرياضية، محمد الأحمد إلى التفكير خارج الصندوق في التعاطي مع تطوير حصة الرياضة، وجزم خلال حديثه إلينا كون هذه المادة في حال الاهتمام بها يمكن أن تثمر نتائج مبهرة في تأهيل الطلاب بدنياً، واكتشاف مواهب رياضية، قائلاً "اعتاد المدرسون تعليم الطلاب التمارين السويدية المعروفة، وهذا أمر إيجابي، لكن لا بد خلال العام الدراسي من أن يطوروا من الحصة إلى أسلوب تفاعلي أكثر، من خلال حصص إضافية بعد انتهاء الدوام للطلاب الراغبين بممارسة الرياضة، يتبعها تقييم للطلاب الموهوبين، والتركيز عليهم، ودعمهم، ومن ثم إجراء مسابقات، مع توفير منح ورحلات وإجراء مباريات، والسخاء بتكريم المتفوق رياضياً تشجيعاً له للاستمرار".
ويرى المطور الرياضي الأحمد بأن الرياضة السورية خسرت كثيراً من المواهب كانت أمامنا بسبب ضعف التركيز على الرياضة المدرسية، وجزم بأهمية البحث عن تلك المواهب والتعاون بين وزارة الرياضة والتربية لدعم الخبرات.
في غضون ذلك يحاول المدرسون الرياضيون تأدية مهامهم في التدريب والتعليم البدني في حصة واحدة أسبوعياً، وهي لا تكفي لتطوير المواهب بسرعة، أو اكتساب المهارات الحركية المطلوبة وبناء اللياقة اللازمة، في حين يقر أصحاب الاختصاص بأن الحرب في سوريا وما رافقها في الشمال السوري من أحداث متلاحقة وكوارث طبيعية مثل الزلزال، ألحق بالبنية التحتية أضراراً كارثية ما زالت إلى اليوم ماثلة.
أحد المدرسين يقول "إلى اليوم ما زالت بعض المدارس مدمرة، وقبل أعوام كنا نعطي الدروس في الخيام والبيوت الطينية في الأرياف، علاوة على سوء الواقع الاقتصادي والمعيشي الذي يؤدي دوراً بارزاً في صرف انتباه الأهالي إلى الاهتمام بهذا الجانب، بخاصة مع عمل الأطفال لمساعدة عائلاتهم، وبهذه الصورة يصرف كثر النظر عن التأهيل البدني".
تونس… مادة ثانوية
وكثيراً ما اعتبرت المدرسة في تونس الفضاء الأساس لاكتشاف المواهب الرياضية غير أن دورها اليوم أصبح محل تساؤل وحيرة لدى المهتمين بالشأن التربوي والرياضي على حد سواء، لما تعانيه هذه المنظومة من اعتلال ينتظر إصلاحاً.
يقول المربي طارق بلحاج حسين، في حديثه إلينا، إن "واقع الرياضة المدرسية في تونس يشهد تراجعاً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة، بعدما تحولت في كثير من المؤسسات التربوية إلى مادة ثانوية، في وقت يفترض أن تكون ركيزة أساسية في بناء شخصية التلميذ وصحته واكتشاف مواهبه".
وأوضح بلحاج حسين أن "عدداً كبيراً من المؤسسات لا يدرس التربية البدنية بانتظام بسبب غياب الفضاءات الرياضية المناسبة أو نقص الإطار المختص، وحتى في المؤسسات التي تدرس فيها المادة، فإن غياب الملاعب المهيأة والتجهيزات يجعل النشاط الرياضي يقتصر في كثير من الأحيان على تمارين خفيفة داخل الساحات، وهو ما لا يسمح بصقل المواهب أو اكتشافها في السن المناسبة".
وأضاف أن اختفاء البطولات المدرسية المنتظمة، وضعف المنافسات الجهوية والوطنية، وتراجع التنسيق بين المدرسة والجمعيات والجامعات الرياضية، كلها عوامل جعلت اكتشاف المواهب رهين الصدفة أو بالإمكانات العائلية، بدلاً من أن يكون حقاً متاحاً لجميع الأطفال على قدم المساواة.
وأشار بلحاج حسين إلى أن "الرياضة المدرسية لا تزال حاضرة في النصوص والبرامج الرسمية، إلا أن حضورها على أرض الواقع أصبح متفاوتاً من مؤسسة إلى أخرى، نتيجة نقص التجهيزات، وضغط البرامج الدراسية، وضعف الموازنات، وغياب رؤية تعدها جزءاً أساساً من المشروع التربوي"، لافتاً إلى أن "هذا الواقع انعكس أيضاً على ضعف الربط بين المؤسسات التربوية والهياكل الرياضية، إذ لا توجد منظومة واضحة تضمن انتقال التلميذ الموهوب من المدرسة إلى مراكز التكوين والمتابعة، مع المحافظة على مساره الدراسي، باستثناء بعض الآليات المحدودة مثل الالتحاق بشعبة الرياضة أو بمعاهد النخبة بالنسبة إلى رياضيي النخبة".
ودعا المربي طارق بلحاج حسين إلى إطلاق إصلاح حقيقي للرياضة المدرسية يقوم على إعادة الاعتبار لحصة التربية البدنية باعتبارها مادة أساسية، وتنظيم بطولات مدرسية محلية وجهوية ووطنية بصفة منتظمة، وإحداث قاعدة بيانات وطنية للمواهب الرياضية داخل المؤسسات التربوية، إلى جانب تعزيز التعاون بين وزارة التربية ووزارة الشباب والرياضة والجامعات الرياضية، وتوفير الحد الأدنى من الملاعب والتجهيزات، فضلاً عن تمكين التلاميذ الموهوبين من التوفيق بين الدراسة والتكوين الرياضي عبر توفير المرونة والخصوصية اللازمتين.
وختم حديثه بتأكيد أن الاستثمار في الرياضة المدرسية هو استثمار في صحة التلاميذ ومستقبل الرياضة الوطنية، وأن إنقاذ هذا القطاع يتطلب إرادة سياسية وتنسيقاً فعلياً بين مختلف المتدخلين، حتى تستعيد المدرسة دورها الطبيعي كأول فضاء لاكتشاف الأبطال وصناعة التميز.
عدد كبير من المدارس التونسية لا يدرس التربية البدنية بانتظام بسبب غياب الفضاءات الرياضية (رويترز)
وترى ليليا حسين، مدربة تربية بدنية بإحدى مدارس العاصمة التونسية، أن الرياضة المدرسية في تونس موجودة على المستوى القانوني والتنظيمي، إلا أن الواقع داخل المدارس العمومية يكشف عن صعوبات عدة تحد من فاعليتها، موضحة أن ممارسة الرياضة لا تجري بالنسق نفسه في جميع المؤسسات التربوية، إذ تقتصر في كثير من الأحيان على حصص التربية البدنية داخل المدرسة، من دون أن تكون مرتبطة بمسابقات منتظمة ومفتوحة أمام جميع التلاميذ.
وأضافت حسين أن "المنافسات الرياضية موجودة فعلاً على المستويين الجهوي والوطني، غير أنها تبقى محدودة، ولا تشمل كل التلاميذ بصورة دورية"، موضحة "يجري غالباً اختيار المشاركين عبر الأساتذة أو المندوبيات الجهوية"، معتقدة أن هذا الوضع يعود إلى عوامل عدة، من بينها نقص الإمكانات والتجهيزات الرياضية ومحدودية وسائل النقل وكثافة عدد التلاميذ، إضافة إلى تركيز المنظومة التعليمية أساساً على الجانب الأكاديمي.
وختمت بالقول إن "الرياضة المدرسية في تونس تحتاج إلى إصلاحات أعمق تضمن تعميم الممارسة الرياضية وخلق مسار واضح يمكن التلميذ من الانتقال طبيعياً من المدرسة إلى النوادي الرياضية، على غرار ما هو معمول به في دول عدة متقدمة".
من جانبها تقول الصحافية المتخصصة في الرياضة عايدة عرب "قرار انتداب اللاعبات واللاعبين الدوليين القدامى للعمل كمنشطين رياضيين داخل المدارس الابتدائية كان في الأصل فكرة إيجابية تهدف إلى اكتشاف المواهب الرياضية مبكراً وربطها بالجمعيات الرياضية. غير أن التطبيق لم يحقق الأهداف المرجوة بسبب عدة نقائص هيكلية وتنظيمية"، موضحة "تتمثل أولى هذه النقائص في كثرة غيابات عدد من المنشطين الرياضيين بسبب ارتباطاتهم مع الجمعيات الرياضية والتدريبات والمباريات، مما جعل عبء العمل يقع على عدد محدود من المنشطين الملتزمين وأثر سلباً في متابعة التلاميذ واكتشاف المواهب".
وترى عرب أن "كثيراً من المنشطين، على رغم خبرتهم كلاعبين سابقين، لا يمتلكون التكوين الأكاديمي والعلمي والبيداغوجي الضروري للتعامل مع مرحلتي ما قبل التكوين والتكوين، وهما مرحلتان أساسيتان في بناء الرياضي"، مضيفة "الرياضة الحديثة أصبحت تعتمد على أساليب علمية دقيقة في الانتقاء والتدريب، تشمل اختبارات بدنية ومورفولوجية وذهنية تسمح بتوجيه كل طفل نحو الرياضة الأنسب لقدراته".
وتشير كذلك إلى "غياب الإشراف الفني المتخصص على عمل هؤلاء المنشطين، إذ كان من المفترض أن تتولى إدارات فنية للشبان داخل الجمعيات الرياضية متابعة المدارس والمساهمة في اكتشاف المواهب وانتقائها وربطها بالجمعيات"، إلا أن "كثيراً من الجمعيات لا تولي أهمية كافية للأصناف الشابة ولا توفر إدارات فنية قادرة على القيام بهذا الدور" وفق تعبيرها
المغرب... اهتمام رسمي
فطن المغرب إلى مدى أهمية الرياضة المدرسية من خلال إرساء شراكات بين مختلف القطاعات المهتمة وذات العلاقة، وإطلاق مبادرات تهدف إلى استكشاف المواهب في مختلف الرياضات، خصوصاً كرة القدم، غير أن الواقع يفيد بأن المدرسة المغربية قلما جادت بأسماء لامعة في الرياضة لعدة أسباب متشابكة.
وتحظى الرياضة المدرسية بكثير من الاهتمام الرسمي من خلال التعاطي الحكومي معها باعتبارها رافعة ضرورية لتنمية قدرات التلاميذ، واستكشاف المواهب الكامنة فيهم، من أجل إحاطتها بالعناية اللازمة والتكوين المطلوب للحصول على أبطال المستقبل.
وأحدثت الحكومة المغربية "الجامعة الملكية المغربية للرياضة المدرسية" كجهاز رسمي يتكلف بهذا الجانب تحديداً، وأرست برنامج "رياضة ودراسة"، الذي يسعى إلى التوفيق بين التفوق الرياضي وتعليم المواهب الرياضية التي تبزغ من خلال حصص التربية البدنية.
وأما بخصوص إحداث الجمعيات الرياضية المدرسية، فإن غاية السلطات الحكومية الوصية تتمثل في تعميم تأسيس هذه الجمعيات الرياضية داخل كل مؤسسة تعليمية سواء كانت عمومية أو خصوصية، من أجل أن تكون النواة القانونية والتنظيمية لممارسة الرياضة.
تقول في هذا الصدد الباحثة التربوية حسنية حسيب إنه في السياق المغربي، لا يمكن النظر إلى حصص التربية البدنية والرياضة المدرسية باعتبارها مجرد أنشطة ترفيهية أو مواد موازية للتعلم، بل باعتبارها إحدى الآليات التي يفترض أن تسهم في تنمية مختلف صور الذكاء لدى المتعلمين والمتعلمات، ومنها الذكاء الجسمي، الحركي، واكتشاف المواهب الرياضية وتوجيهها نحو مسارات التكوين والتأهيل. ومن هذا المنطلق، فإن المدرسة تمتلك من ناحية المبدأ مؤهلات مهمة لتكون مشتلاً للمواهب الرياضية وقاعدة أولى لصناعة أبطال المستقبل.
وتابعت حسيب بأن المغرب عزز هذا التوجه من خلال تطوير منظومة الرياضة المدرسية، وإرساء شراكات بين قطاعي التربية الوطنية والرياضة، ودعم أدوار الجامعة الملكية المغربية للرياضة المدرسية، وإطلاق برامج من قبيل "دراسة ورياضة"، فضلاً عن تنظيم بطولات وتظاهرات رياضية على المستويات المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية، وإبرام اتفاقات مع عدد من الجامعات الملكية المغربية، لإدماج بعض الرياضات داخل المؤسسات التعليمية وربطها بمسارات التكوين الرياضي المتخصص.
واقع الحال يدفع إلى طرح سؤال جوهري، هل تقوم المدرسة فعلاً بإنتاج الرياضيين، أم أنها تكتفي بانتقاء المواهب التي أنتجت في فضاءات اجتماعية أخرى؟ تجيب الباحثة حسيب بأن "عدداً كبيراً من الرياضيين البارزين في المغرب تشكلت مساراتهم أساساً داخل الأندية والجمعيات والأحياء الشعبية أكثر مما تشكلت داخل المؤسسة التعليمية، مما يكشف عن وجود فجوة بين التصور المؤسسي للرياضة المدرسية وواقع الممارسة".
![]()
تحظى الرياضة المدرسية في المغرب بكثير من الاهتمام الرسمي من خلال التعاطي الحكومي معها (وكالة الأنباء المغربية)
وتعزو المتحدثة ذاتها هذه الفجوة إلى اختلالات عدة، منها محدودية الحيز الزمني المخصص للتربية البدنية، وضعف حضورها داخل المنهاج الدراسي، وغياب أساتذة متخصصين في المدارس الابتدائية، ونقص البنيات والتجهيزات الرياضية، إضافة إلى التفاوتات المجالية التي تجعل فرص الممارسة الرياضية المنظمة أكبر في المدن منها في القرى والمناطق الهامشية.
واسترسلت حسيب بأن "الثقافة المدرسية لا تزال تمنح أولوية واضحة للنجاح الأكاديمي على حساب التميز الرياضي، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى النظر إلى الرياضة باعتبارها نشاطاً ثانوياً لا مساراً ممكناً للنجاح الاجتماعي"، لافتة إلى أن الرياضة المدرسية في المغرب تؤدي دوراً مهماً في نشر ثقافة الممارسة الرياضية واكتشاف بعض المواهب، لكنها لم تتحول بعد إلى آلية مؤسساتية فعالة لإنتاج الرياضيين المحترفين على نطاق واسع، فالاستفادة من إمكاناتها تظل دون المستوى المأمول، ليس بسبب غياب الرؤية أو المشاريع، إنما بسبب محدودية شروط التنزيل.
ومن ثم، تردف حسيب "لا يكمن الرهان الحقيقي اليوم في توسيع عدد الأنشطة الرياضية فحسب، بل في بناء منظومة مندمجة تجعل من المدرسة فضاءً فعلياً لاكتشاف المواهب ومواكبتها وربطها بمسارات الاحتراف، بما يضمن العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين والمتعلمات".
هذه الاختلالات التي تعتري الرياضة المدرسية وصلت إلى قلب البرلمان المغربي من خلال مساءلة نواب برلمانيين للحكومة، متمثلة في وزارة التربية الوطنية والرياضة، إذ اعتبر البرلماني عبداللطيف الزعيم أن كثيراً من المؤسسات التعليمية تعاني نقصاً واضحاً في التجهيزات الرياضية وغياب ملاعب مناسبة داخل الوسطين الحضري والقروي، إضافة إلى محدودية التمويل المخصص للرياضة المدرسية وضعف التأطير والتكوين المستمر للأطر المشرفة، مشيراً إلى "غياب برامج واضحة لمتابعة المواهب الناشئة، مما يحرم عدداً من التلاميذ الذين يبرزون قدراتهم من مسارات تطوير حقيقية، مما يؤثر سلباً في عدالة الولوج إلى الممارسة الرياضية وجودتها".
العراق... إلغاء الحصص الرياضية
أما حصص التربية الرياضية في العراق فلا يختلف حالها عن كثير من نظيراتها من المدارس في العالم العربي، إذ غياب الدعم وقلة المستلزمات والقاعات الرياضية، وعليه غابت في الأعوام الأخيرة حصص التربية الرياضية في المدارس العراقية لمصلحة الحصص الدراسية الأخرى، فمع كثرة العطل الرسمية والدوام المزدوج لبعض المدارس اتجهت غالب مديريات المدارس إلى إهمال حصص التربية الرياضية لإكمال الدروس المقررة في المنهج الدراسي، فلم تعد هناك مساحات رياضية للطلبة.
أيضاً تواجه المدارس قلة التجهيزات الرياضية مما أسهم في إلغاء الحصص الرياضية لمصلحة المناهج الأخرى، فلم نعد نرى مدرسي ومعلمي الرياضة بلباسهم الرياضي، ولم نعد نسمع ببطولات للمدارس المشاركة في المنافسات الرياضية التي كانت تجرى سابقاً، ولو عدنا إلى خمسينيات القرن الماضي لعرفنا أن أكثر أبطال العراق المشاركين في دورة الإسكندرية الرياضية العربية أو دورة بيروت عام 1957 هم من طلاب إعدادية كلية بغداد والإعدادية المركزية.
تقول مسؤولة شعبة الرياضة المدرسية بنات ورياض الأطفال في وزارة التربية الدكتورة أزهار محمد جاسم، إن حصص التربية الرياضية لم تغب من المنهاج التربوي، لكن بعض المدارس تواجه تحديات في تنفيذ الحصص بالشكل المطلوب نتيجة ظروف تتعلق بالبنى التحتية أو تنظيم الجدول الدراسي، فهو ليس توجهاً من وزارة التربية التي تؤكد أهمية الرياضة المدرسية ودورها في بناء جيل متوازن، هناك جهود مستمرة لإعادة تفعيل الرياضة المدرسية من خلال إقامة البطولات والدورات الرياضية بين المدارس، وتشجيع إدارات المدارس على دعم النشاط الرياضي، فضلاً عن التعاون مع الجهات المتخصصة لاكتشاف المواهب وتنمية قدراتهم، فالرياضة ليست نشاطاً ترفيهياً فحسب، بل عنصر مكمل للعملية التربوية.
في السياق ذاته يرى مدير عام التربية الرياضية والنشاط المدرسي أيمن عباس الدليمي أن حصص التربية الرياضية مخصصة لكل مرحلة دراسية من قبل المديرية العامة للتعليم العام والأهلي والأجنبي وبالتعاون والتنسيق مع المديرية العامة للإشراف التربوي والاختصاصي، ولا تمنح هذه الحصص للمواد الدراسية الأخرى وفقاً للتعليمات، مشيراً إلى أن قلة الأدوات والمستلزمات والقاعات الرياضية أثرت على نحو نسبي في درس التربية الرياضية، وأسهمت في الحد من الفعاليات التي يمكن للطلبة ممارستها خلال الحصص الرياضية المقررة.
![]()
قلة الأدوات والمستلزمات والقاعات الرياضية أثرت على نحو نسبي في التربية الرياضية بالعراق (اندبندنت عربية)
تؤكد مسؤولة شعبة الرياضة المدرسية بنات ورياض الأطفال في وزارة التربية الدكتورة أزهار محمد جاسم "لدينا تعاون مشترك مع الاتحادات الرياضية المختلفة بهدف رفد المنتخبات الوطنية بالمواهب الواعدة، إذ لا يقتصر دور النشاط الرياضي المدرسي على إقامة المنافسات فحسب، إنما يمتد إلى متابعة الطلبة المتميزين وإتاحة الفرصة أمامهم للانضمام إلى مراكز التدريب والمنتخبات"، مستشهدة بتجارب أسهمت في رفد المنتخبات الوطنية باللاعبات المتميزات، "خلال بطولة العراق المدرسية اختير عدد من اللاعبات المتميزات للانضمام إلى منتخب الواعدات، بعد متابعة أدائهن من قبل مدرب منتخب الواعدات في الاتحاد العراقي المركزي لكرة القدم وبالتعاون مع اللجنة النسوية".
جاسم ترى أن النشاطات الرياضية لم تغب كلياً، لكنها تأثرت في بعض الفترات، بسبب عوامل عدة، منها الظروف العامة، وقلة الإمكانات، وتحديات التنظيم وهناك مدارس تواجه نقصاً في الملاعب أو الأدوات والمستلزمات الرياضية، وهذه تحديات تحتاج إلى معالجة ودعم والاهتمام بالنشاط الرياضي وتوسيع قاعدة المشاركة بين الطلبة، على رغم هذه التحديات نعمل باستمرار على تفعيل النشاط الرياضي وإيجاد فرص أكبر للطلبة لإظهار مواهبهم.
إلى ذلك يوضح مدير عام التربية الرياضية والنشاط المدرسي أيمن عباس الدليمي أن السباقات بين المدارس لم تغب، فهناك خطة لا مركزية لكل أقسام النشاط الرياضي والكشفي تعمم على المدارس لغرض إجراء السباقات، ويتم اختيار الموهوبين لتمثيل منتخباتهم للمشاركة في البطولات المركزية التي تقيمها.
السودان... 40 عاماً من التراجع
على رغم وجود خمس كليات في الجامعات السودانية تخرج المئات من معلمي التربية الرياضية كل عام، تشهد الرياضة المدرسية تراجعاً كبيراً منذ أكثر من 30 عاماً بخاصة بعد الإطاحة التدريجية للنشاط الرياضي في المدارس من جدول الحصص الأسبوعي، وكذلك الإقصاء من المنهج التعليمي في وزارة التربية والتعليم السودانية، بما في ذلك الحركات الرياضية التي كان يتضمنها طابور الصباح المدرسي.
في السياق يقول المتخصص التربوي مجاهد عبدالكريم "إن وزارة التربية والتعليم السودانية ظلت بمختلف تسمياتها ومنذ حقبة الاستعمار البريطاني وإلى الحكم الوطني تولي الرياضة المدرسية أهمية قصوى، نظراً إلى أنها تسهم في بناء الطلاب جسدياً وذهنياً، إذ كانت تعتمد في توجهها مقولة "العقل السليم في الجسم السليم"، وأضاف أن "حكومة المؤتمر الوطني التي كان يقودها الرئيس السابق عمر البشير ظلت وعلى مدى 30 عاماً تحدث كثيراً من التغييرات والحذف والإضافات في المناهج الدراسية، ومنها حصص الرياضة المدرسية، إذ بدأت بإيقاف النشاط البدني من جدول الحصص الأسبوعي، بما في ذلك الحركات الرياضية التي كان يتضمنها طابور الصباح المدرسي".
وأوضح عبدالكريم أن "المناهج الدراسية ظلت مرآة لتقلبات السياسة في السودان، بخاصة في عهد حكومة البشير التي ربطت العملية التعليمية برؤاها الأيديولوجية وأولوياتها الحزبية، وظلت تغير المناهج لترسيخ مشروعها الفكري، وكانت نظرة عدد كبير من وزراء التعليم إلى حصص الرياضة تراوح ما بين القبول المشروط والتحريم أو الرفض القاطع، لذا شهدت الرياضة المدرسية تراجعاً مريعاً في السودان". وتابع "منذ عام 2019 لم تشهد المؤسسات التعليمية الاستقرار المنشود بسبب الاضطرابات السياسية الداخلية، واستمرت الأوضاع المعقدة حتى اندلعت الحرب، ومن ثم فإن التدهور ظل متصاعداً في الرياضة المدرسية".
على الصعيد نفسه، أشار المحاضر الجامعي بكلية التربية الرياضية في جامعة السودان الصادق هواري إلى أن "حصص الرياضة المدرسية في المؤسسات التعليمية خرجت أجيالاً مميزة، وأفرزت لاعبين مهرة أثروا المناشط المختلفة بين أوائل السبعينيات إلى التسعينيات، بخاصة خلال الدورات المدرسية التي تنظمها وزارة التربية والتعليم كل عام بين مختلف ولايات وأقاليم السودان".
ولفت هواري إلى أن "الدورة المدرسية قدمت للكرة السودانية نجوماً أفذاذاً في كرة القدم، منهم الراحلون سامي عز الدين وحامد بريمة ووالي الدين محمد عبدالله الذين لعبوا في المريخ والهلال، وقدمت حصص الرياضة المدرسية أفضل لاعب كرة سلة على مر التاريخ، وهو ويليام أندريا، إضافة إلى المئات من لاعبي الكرة الطائرة ونجوم السباحة"، كاشفاً عن أن "الرياضة المدرسية تراجعت بصورة كبيرة منذ أكثر من 40 عاماً، على رغم وجود خمس كليات متخصصة في التربية الرياضية بالسودان، نظراً إلى السياسات التعليمية الجديدة التي أطاحت حصص الرياضة من المنهج التعليمي برمته، إلى جانب عدم الاهتمام الكافي".
تراجعت الرياضة المدرسية بصورة كبيرة منذ أكثر من 40 عاماً في السودان (رويترز)
على صعيد متصل أوضح مدير إدارة الرياضة السابق بوزارة التربية والتعليم في ولاية الخرطوم نجم الدين طه أن "المدارس السودانية عانت ضعف الاهتمام بالأنشطة والبرامج الرياضية، نتيجة عدم توفر الملاعب والصالات في المؤسسات التعليمية، فضلاً عن غياب التمويل وضعف الموازنة السنوية المخصصة لتلك الأنشطة"، لافتاً إلى أن "المدارس الخاصة في السودان تولي حصص الرياضة المدرسية اهتماماً كبيراً من خلال توفير الملاعب والصالات، وكذلك الاستعانة بمعلمي تربية رياضية من الجامعات، لكن أعداد التلاميذ والطلاب قليلة للغاية مقارنة بالمؤسسات التعليمية الحكومية".
وشدد مدير إدارة الرياضة السابق على ضرورة "وضع خطة طموحة لتطوير الرياضة المدرسية في السودان عقب توقف الحرب، لأن عودة الأنشطة الرياضية إلى المؤسسات التعليمية تمثل خطوة نحو استعادة الحياة الطبيعية، وتعزيز الصحة النفسية للطلاب، وكذلك إعادة بناء الروابط الاجتماعية داخل البيئة التعليمية، بما يمهد الطريق لإعداد جيل قادر على المساهمة في نهضة البلاد".
على نحو متصل أرجع المتخصص في التربية الرياضية حافظ المغربي تراجع الرياضة المدرسية في السودان إلى غياب التنسيق والتعاون المشترك بين وزارة التربية والتعليم واتحادات كرة القدم في البلاد لتطوير منهج مشترك يناسب الفئات العمرية المختلفة ويعزز أهمية النشاط البدني، مشيراً إلى أن الرياضة المدرسية وحصص التربية البدنية جرى تغييبها وبصورة منظمة عن المدارس في الأعوام الأخيرة، وباتت المؤسسات التعليمية تستعين بالأندية الرياضية في المشاركة بالمنافسات داخل وخارج البلاد.
الجزائر... رهان مستقبلي
وفي الجزائر عادت الرياضة المدرسية إلى دائرة الاهتمام الرسمي والشعبي بعد تراجع كاد يعصف بوجودها، إذ تحولت اليوم إلى أحد أهم الرهانات المستقبلية لتطوير الرياضة، إذ ضخت وزارة الرياضة الجزائرية دعماً مالياً لمصلحة الاتحادية الجزائرية للرياضة المدرسية، يتجاوز 2.2 مليار سنتيم، أي ما يعادل 165 ألف دولار، لتسهيل المشاركة الفعالة في المنافسات الخارجية، في سياق تعزيز مسار دعم الرياضة المدرسية، وإعادة الاعتبار لهذا الصنف من الرياضات.
وأعادت الجزائر بعث وإحياء مادة التربية البدنية في الوسط المدرسي، خصوصاً في مرحلة التعليم الابتدائي، ابتداء من الدخول المدرسي 2022 -2023، بعد مرحلة مريرة عرفتها الرياضة المدرسية، وذلك إثر اتفاق بين وزارتي التربية والرياضة.
وفي سياق تحريك الملف، جرى الشروع في توظيف 12 ألف أستاذ متخصص لتأطير الرياضة المدرسية واستحداث مديرية عامة للرياضات المدرسية في قطاع التربية، وكذلك رتبة أستاذ تربية بدنية في الطور الابتدائي، وهو ما يسمح بترقية التربية البدنية والرياضية في المنظومة التربوية، لا سيما في الطور الابتدائي من خلال تأطير متخصص لهذه المادة.
وكانت ممارسة التربية البدنية والرياضية المدرسية في الجزائر إجبارية وإلزامية لكل تلميذ، منذ ما بعد استقلال البلاد إلى غاية أعوام التسعينيات مع بداية الأزمة الأمنية، مع إعفاء أولئك الذين يعانون مشكلات صعبة أو تعوق ممارستهم للنشاط الرياضي، إذ جاء القرار إثر توقيع اتفاق مشترك بين كل من وزارتي الشباب والرياضة والتربية الوطنية ووزارة الصحة والسكان.
يقول المستشار الرياضي، أحمد عولام، إن الرياضة المدرسية لا تزال تفتقر إلى رؤية تنظيمية واستراتيجية واضحة تربطها بالأندية والاحتراف، على رغم ما تملكه من مقومات تؤهلها لتكون رافداً أساساً للرياضة الوطنية، مبرزاً أن الرياضة المدرسية لا تزال إلى اليوم في مرحلة الدعم والتطوير، ولم ترق بعد إلى مستوى الصناعة الرياضية بالمعنى الاحترافي والاقتصادي المتكامل، على رغم ما تمتلكه من إمكانات بشرية واعدة يمكن أن تجعلها، على المديين المتوسط والبعيد، إحدى أهم ركائز المنظومة الرياضية الوطنية إذا ما جرى استغلالها بالشكل الصحيح.
لا تزال الرياضة المدرسية تفتقر إلى رؤية تنظيمية واستراتيجية واضحة في الجزائر (رويترز)
وأشار عولام إلى أن غياب رؤية استراتيجية واضحة تجعلها حلقة وصل فعلية بين المؤسسات التربوية والأندية الرياضية يبقى أكبر عائق، مضيفاً أن هذا الانفصال بين المدرسة والنوادي يضعف مسار تكوين الرياضيين ويحد من فرص تحويل التلاميذ الموهوبين إلى أبطال في المستقبل، ولافتاً إلى أن هذه المنظومة لا تزال تعتمد بصورة شبه كلية على الدولة من ناحية التمويل والتنظيم، من دون انتظام فعال للقطاع الخاص أو تبني مقاربة اقتصادية واستثمارية قادرة على تحويل الرياضة المدرسية إلى مجال منتج وقابل للتطوير، مشدداً على أن الإشكالية الجوهرية اليوم لا تتعلق فقط بالإمكانات أو الهياكل، إنما بكيفية تحويل الرياضة المدرسية من نشاط مواز داخل المؤسسات التربوية إلى منظومة متكاملة تشكل قاعدة حقيقية لصناعة الأبطال.
وحققت الرياضة المدرسية في الجزائر قفزة نوعية ملموسة في الأعوام الأخيرة، إذ احتلت المرتبة 12 من مجموع 74 بلداً مشاركاً، بـ50 ميدالية من بينها 14 ذهبية و12 فضية و24 برونزية، شارك في تحقيقها 70 رياضياً، إذ سمح هذا الحصاد للوفد الجزائري الحصول على المرتبة الثانية على الصعيد الأفريقي والثالثة عربياً، كذلك تصدرت الترتيب النهائي في الألعاب الأفريقية المدرسية 2025 التي احتضنتها الجزائر، بإجمال 245 ميدالية.
وعلى رغم أن النتائج تبدو إيجابية وتعكس وجود مخزون كبير من المواهب الشابة القادرة على المنافسة دولياً، فإن النقائص لا تزال عرقل تقديم الأفضل، وأهمها نقص المنشآت الرياضية داخل المؤسسات التعليمية، بخاصة على مستوى المدارس الابتدائية، وضعف الحجم الساعي المقدر بساعة إلى ساعتين على أقصى تقدير أسبوعياً، إلى جانب غياب المحفزات التي تسهم في التنافسية وجل الاهتمام ورفع الإقبال.
الأردن... حصة "أقل أهمية"
أما في الأردن ووفقاً لمناهج وزارة التربية والتعليم والمركز الوطني لتطوير المناهج، فإن حصة الرياضة مدرجة بانتظام بواقع حصة إلى حصتين أسبوعياً، لكن واقعياً تخضع هذه الحصة لعمليات "إزاحة" مستمرة بحجة حصة التعويض العلمي، فضلاً عن غياب المنهجية التطبيقية، إذ تستغل الحصة غالباً من قبل الإدارات المدرسية، لتعويض النقص في مواد مثل الرياضيات، والعلوم، أو اللغة الإنجليزية، بخاصة في فترات الاختبارات. وفي كثير من المدارس، لا سيما المستأجرة أو المكتظة، تتحول الحصة إلى ما يعرف بوقت "اللعب الحر"، إذ يعطى الطلبة كرة قدم من دون تدريب مهاري أو بدني مدروس.
وفق الأرقام والإحصاءات تشير دراسات كليات التربية الرياضية في الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك إلى أن الإمكانات والبنى التحتية متواضعة من جهة غياب الصالات المغلقة، والملاعب، ونقص الأدوات، فضلاً عن اعتبار الحصة "أقل أهمية" مقارنة بالمواد الأكاديمية وصرف موازناتها لمتطلبات أخرى، ووصول أعداد الطلبة في الشعبة الواحدة إلى 40 - 50 طالباً، مما يقلص حصة الفرد من الرعاية البدنية.
وبحسب مراقبين فإن حصة الرياضة في المدارس الأردنية لا تسهم في رفد الأندية والمنتخبات، وإذا جرى ذلك فإنه يكون بشكل خجول جداً وفردي، كذلك فإن المعلمين يفتقرون في كثير من الأحيان إلى أدوات "الانتقاء الرياضي العلمي" كفحوص اللياقة البدنية بسبب ضيق وقت الحصة.
وعلى رغم وجود اتحاد للرياضة المدرسية وتنظيمه بطولات فإنها تركز على النخبة الجاهزة أصلاً في الأندية، بدلاً من بناء اللاعبين داخل المدرسة، وعلى رغم شح الإمكانات فإن الرياضة المدرسية الأردنية تسجل نقاط مضيئة تعتمد أساساً على المجهودات الفردية للمعلمين وشغف الطلبة، إذ يحقق الأردن بانتظام مراكز متقدمة في ألعاب القوى، وكرة اليد، وكرة السلة في الدورات المدرسية العربية.
وتظهر الفجوة واضحة عند مقارنة المدارس الحكومية بالمدارس الخاصة، إذ تمتلك الأخيرة صالات ومسابح مكنتها من رفد منتخباتها، بخاصة في السباحة والإسكواش والتنس بأبطال يمثلون الأردن دولياً، وأسهمت جائزة الملك عبدالله الثاني للياقة البدنية التي تشمل مئات آلاف الطلبة سنوياً، في رفع الوعي الصحي وزيادة مستويات اللياقة البدنية الأساسية، واكتشاف خامات مميزة في الألعاب الفردية.
تشكل المدارس المستأجرة نسبة لا بأس بها من مدارس الأردن، وهي مبان سكنية أصلاً تفتقر إلى وجود ساحات صالحة للركض أو ممارسة أي نشاط رياضي منظم، كذلك فإن المناخ والطقس وغياب الصالات الرياضية المغلقة في معظم المدارس الحكومية تجعل حصة الرياضة "ملغاة عملياً" في فصل الشتاء أو في ذروة الصيف.
حصة الرياضة في المدارس الأردنية لا تسهم في رفد الأندية والمنتخبات (رويترز)
ووفق متخصصين اجتماعيين يشكل غياب الغرف المخصصة لتبديل الملابس الرياضية، بخاصة في مدارس الإناث، حرجاً للطلبة ويقلل من دافعيتهم للمشاركة الفعالة. كذلك فإن إثقال كاهل معلم الرياضة بمهام إدارية، ومناوبات، وتنظيم الطابور الصباحي، يستهلك طاقته الموجهة أصلاً للتطوير الفني.
يقول الصحافي الرياضي خالد حسنين "منذ أعوام قليلة لم تأخذ حصص الرياضة المدرسية الاهتمام الكافي في المدارس، وأحياناً يجري تهميشها من خلال تعويضها بحصص أخرى، وأحياناً يجري وضعها في آخر الجدول اليومي للحصص، علماً أن الطلاب كانوا يتشوقون إليها وكانت كرة القدم هي اللعبة المفضلة لديهم".
اقرأ المزيد- المياه الجوفية في العالم العربي... الكنز المهدر
- الصم والبكم في العالم العربي... إشارات مبعثرة وحقوق تائهة
- المخدرات في العالم العربي... "أبطالها" مهزومون
- المكتبات العامة في العالم العربي... بيوت مهجورة
- الطبقة الوسطى... وتد المجتمع العربي يتآكل
- البحث العلمي عند العرب: الإرث لا يكفي والمنجز لا يشفي
لكن الإنجازات التي حققتها كرة القدم الأردنية عبر المنتخبات المختلفة وأهمها منتخب النشامى الذي حصل خلال الأعوام الأربعة الماضية على وصافة كأس آسيا وكأس العرب وشارك في نهائيات كأس العالم، وكل هذه الإنجازات حصلت للمرة الأولى في تاريخ كرة القدم الأردنية، إضافة إلى الإنجازات التي تحققت في رياضات أخرى في الأعوام القليلة الماضية، أسهمت في تغيير النظرة الرسمية للحكومات تجاه الرياضة وأصبحت حصص الرياضة المدرسية تأخذ اهتماماً أكبر من السابق، بل إن وزارة التربية والتعليم أصبحت منذ نحو عامين تقريباً تطبع كتباً متخصصة بالرياضة وتوزعها على الطلاب تماماً ككتب اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات وغيرها، تتضمن شروحات عن كثير من الألعاب، مما يعكس الاهتمام الذي أصبحت تحظى به الرياضة في المدارس الحكومية.
ولا تقل أزمة الكادر التدريسي المتخصص خطورة عن أزمة البنية التحتية، فبينما تشترط وزارة التربية تأهيلاً أكاديمياً في التربية الرياضية للتعيين في هذه المادة، يكشف الميدان عن واقع مغاير، ففي بعض المدارس، تدرس مادة الرياضة من قبل معلمين من تخصصات أخرى سداً للشاغر.
يقول مراقبون إن معلم التربية الرياضية المتخصص لا يحظى بالمكانة المهنية ذاتها التي يحظى بها نظراؤه في المواد الأكاديمية. فضلاً عن غياب التدريب المستمر وبرامج التطوير المهني للمعلمين الرياضيين، كذلك فإنه لا يوجد مسار واضح لترقي معلم الرياضة من اكتشاف الموهبة إلى الإحالة إلى الأندية أو المنتخبات. يشرح أحد معلمي التربية الرياضية، في مدرسة حكومية في العاصمة عمان "نحن نعلم الأطفال كيف يلعبون، لكن أحداً لا يسألنا بعد ذلك عمن يستحق المتابعة".
غير أن الأزمة ليست تقنية فحسب، بحسب معلمي رياضة التقتهم "اندبندنت عربية"، بقدر ما تعكس وجود نظرة دونية للتربية الجسدية مقارنة بالمواد الأكاديمية، فبعض أولياء الأمور يطلبون أحياناً إلغاء حصص الرياضة في موسم الاختبارات، كذلك فإن السياسة التعليمية لا تربط بوضوح بين الصحة البدنية للطالب ومخرجاته الأكاديمية والمهنية.
ويطالب هؤلاء بإجراءات كفيلة بالنهوض بالرياضة في المدارس كإنشاء قاعدة بيانات وطنية للمواهب الرياضية المدرسية، وتخصيص موازنة للبنية التحتية الرياضية في المدارس الحكومية لا تقبل الاقتطاع.
ليبيا... فسحة لا رياضة
وأخيراً ومن ليبيا وبينما كانت سابقاً المدارس الليبية تدعم الرياضة المدرسية التي أسهمت في تعزيز المنتخبات الوطنية في مختلف التخصصات الرياضية على غرار عداء المسافات الطويلة علي مبروك زايد، الذي شارك في دورات الألعاب الأولمبية أواخر التسعينيات وحمل في رصيده ستة أرقام قياسية ليبية في سباقات مختلفة، إضافة إلى بطل القوة البدنية ورفع الأثقال محمد مخلوف، فإن الأوضاع تأخرت كثيراً.
تقول الحكم المتخصص في تحكيم مباريات كرة القدم، تهاني سالم، إن دور الرياضة المدرسية تراجع في ليبيا، بخاصة بعد ثورة فبراير (شباط) عام 2011، "بسبب ضعف البنية التحتية، وقلة التجهيزات"، إضافة إلى "الانقسامات السياسية وتدهور الأوضاع الأمنية"، مؤكدة أنها جميعاً "عوامل متداخلة ألقت بظلالها على جميع المجالات بما فيها الرياضة المدرسية".
ويوضح المتخصص في الإعلام الرياضي ربيع دهان أن الرياضة المدرسية "ليست مجرد مادة ثانوية أو نشاط هامشي، بل اللبنة الأولى لاكتشاف المواهب الرياضية، غير أن هذا الأمر يكاد يكون مفقوداً في ليبيا، بعدما تحولت أخيراً حصص الرياضة في المدارس الليبية إلى لعب للكرة فقط من دون اهتمام حقيقي ببقية الأنشطة الرياضية، بخاصة ألعاب القوى"، مؤكداً أن ليبيا تزخر بالمواهب الرياضية، لكنها تفتقد لمشروع رياضي ترعاه الدولة انطلاقاً من المدرسة مروراً بالأندية فالمنتخبات الوطنية.
وحول وجود حصص الرياضة المدرسية في الرزنامة التعليمية في ليبيا من عدمه، يقول دهان إن المادة موجودة لكنها تفتقد للاهتمام، مما أدى إلى تحولها إلى "مجرد فسحة للتلاميذ"، مشيراً إلى أن الرياضة المدرسية تستأثر برعاية أكثر نوعاً ما بالمدارس الخاصة، مطالباً الدولة الليبية برعاية الرياضة المدرسية، حتى تصبح محل اهتمام من الأندية لاستقطاب المواهب وتوجيهها بالشكل الصحيح، ومن ثم تكون الرياضة المدرسية عنصراً أساساً من المنظومة الوطنية، مشيراً إلى أن هذه الوصلة لا تزال تستدعي مراجعة وإصلاحاً شاملاً من السلطات الليبية.
![]()
تواجه المدارس الليبية نقصاً في المدرسين المتخصصين بالتربية البدنية (اندبندنت عربية)
وللحديث عن هذه النقطة تواصلت "اندبندنت عربية" مع المكلف الإعلام بإدارة النشاط المدرسي محمد الأحمر، غير أنه لم يتجاوب معنا، وتشير تهاني سالم إلى أن ضعف النشاط الرياضي المدرسي يعود أيضاً إلى قلة المدرسين المتخصصين بالتربية البدنية، بخاصة المدرسات، بسبب توقف معهد تكوين معلمات التربية البدنية، إذ كانت آخر دفعة عام 1998، وبعدها جرى افتتاح كلية تربية بدنية كانت موجهة إلى الذكور ما حال دون اكتشاف المواهب الرياضة النسائية، لأن طبيعة المجتمع الليبي تفرض أن يكون للإناث معلمة تربية بدنية، مؤكدة أن الرياضة المدرسية تحولت إلى مجرد نشاط يختزل في مسابقات عدو آخر العام الدراسي.
وتتفق لاعبة كرة القدم فاطمة الزهراء الأمين مع ما ذهبت إليه المتخصصة في التحكيم الكروي تهاني سالم، بخصوص غياب الدعم المدرسي في اكتشاف موهبتها منوهة بأن التحاقها بفريق كرة القدم النسائية يعود إلى اجتهاد من أسرتها، مؤكدة أن غياب الاهتمام بالرياضة المدرسية أسهم في تراجع حضور ليبيا في البطولات الدولية، بخاصة في الألعاب الفردية، باعتبار أن الرياضة المدرسية تمثل الخزان الأساس لتغذية المنتخبات الوطنية.
وحول مدى الاستفادة من النشاط البدني داخل المدارس الليبية، يقول دهان إن الأمر لم يكن بالشكل الأمثل، مستدركاً أن هناك بصيص أمل يتمثل في توجه وزارة التربية والتعليم ووزارة الرياضة ووزارة الشباب بحكومة الوحدة الوطنية والاتحاد الليبي لرياضة الطلاب أواخر يونيو (حزيران) لوضع إطار وطني شامل يبدأ من المدارس لبحث توحيد الرؤى وآليات تطوير النشاط الرياضي المدرسي، بما يعزز الدور التربوي والتعليمي والرياضي، واصفاً الخطوة بالجيدة بخاصة أنها ستعيد لحصص الرياضة المدرسية أهميتها في بناء المواهب وصقلها وتوجيهها.
واحتضنت مدينة مصراتة (شرق طرابلس)، الملتقى الوطني الأول لمديري مكاتب النشاط المدرسي الذي شاركت فيه مختلف مراقبات التربية والتعليم في البلاد بهدف مناقشة تدريب وتأهيل معلمي التربية البدنية ورفع كفاءتهم، إضافة إلى العمل على توفير الإمكانات والوسائل اللازمة للنهوض بالنشاط الرياضي داخل المدارس.
تواجه حصص التربية البدنية تحديات بنيوية تشمل نقص الملاعب والمعدات، وضعف تأهيل المعلمين، وعدم إدراجها ضمن الأولويات التعليمية في معظم الدول العربية. كما أن غياب الحوافز والبرامج المتخصصة لاكتشاف المواهب يحول دون استثمار هذه الحصص في بناء قاعدة رياضية قوية. تحتاج الأنظمة التعليمية إلى إعادة النظر في سياساتها لتعزيز دور الرياضة المدرسية كجزء أصيل من العملية التعليمية، وليس مجرد نشاط ثانوي.
Original source: Independent Arabia
Comments (0)
Be the first to comment.