لماذا نستيقظ في منتصف الليل؟

نُشر في 18 يوليو 2026 الساعة 04:19، وآخر تحديث كان في نفس التاريخ والساعة

يُعد اضطراب الاستيقاظ الليلي ظاهرة شائعة تؤرق ملايين الأشخاص حول العالم.

--:--

تابع قناة عكاظ على الواتساب

«عكاظ» (جدة)

في لحظات السكون التي يفترض أن تكون مخصصة للراحة، قد يجد كثيرون أنفسهم مستيقظين فجأة في منتصف الليل، وسط أفكار متسارعة وشعور غامض بالقلق دون سبب واضح. لكن هذا الاستيقاظ، وفق تفسير علمي حديث، لا يعني بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، بل قد يكون انعكاسًا لآلية دفاعية قديمة في الدماغ ما زالت تعمل داخل عالم مليء بالمحفزات والضغوط.

وتشرح البروفيسورة ميشيل سبير، أستاذة التشريح بجامعة بريستول، أن الدماغ البشري تطور على مدى آلاف السنين ليظل في حالة تأهب مستمر لمواجهة المخاطر، بيد أن هذه الآلية ذاتها قد تنشط اليوم تجاه ضغوط مغايرة تمامًا، كضغوط العمل أو الرسائل العاجلة أو التخطيط للمستقبل، وكأنها أخطار تستدعي اليقظة.

وتشير سبير إلى أن حاجة الجسم إلى النوم لا تعني بالضرورة أن العقل دخل حالة الراحة؛ فالإرهاق الجسدي قد يكون حاضرًا بقوة، بينما يبقى الدماغ نشطًا في محاولة لمعالجة المشكلات أو توقع التحديات القادمة.

وترتبط هذه الظاهرة بما يُعرف بـ«استجابة الكرّ والفرّ»، وهي آلية غريزية تُعين الإنسان على مواجهة الأخطار. إلا أن الدماغ لا يفرق دائمًا بين الخطر الفعلي والضغوط اليومية، فحين تنشط اللوزة الدماغية، يشرع الجسم في إفراز هرمونات كالأدرينالين والكورتيزول، مما يزيد اليقظة ويصعّب العودة إلى النوم.

وتلفت البروفيسورة إلى أن اضطراب نمط النوم قد يرتبط أيضًا بخلل في الإيقاع الطبيعي لهرمون الكورتيزول؛ إذ ينخفض مستواه عادة خلال ساعات المساء لتهيئة الجسم لإنتاج الميلاتونين المسؤول عن النعاس والاستعداد للنوم. لكن استمرار التوتر قد يبقي الجسم في حالة تأهب حتى في الوقت الذي يفترض أن يهدأ فيه.

ولا تقتصر أسباب هذه الحالة على العوامل الداخلية، إذ تلعب التكنولوجيا الحديثة دورًا مؤثرًا في إبقاء الدماغ نشطًا خلال الليل. فالشاشات لا تؤثر فقط بسبب الضوء الذي قد يعيق إفراز الميلاتونين، بل أيضًا بسبب المحتوى المحفز الذي يواصل تنشيط العقل، مثل متابعة الأخبار أو التصفح المستمر أو البحث عن معلومات جديدة.

وترى سبير أن التعامل مع اضطرابات الاستيقاظ الليلي لا يعتمد فقط على الحلول الدوائية، بل يحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدماغ والنوم من خلال عادات ثابتة تساعد على استعادة الإيقاع الطبيعي، مثل الحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، والتعرض لضوء النهار، وتقليل استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل الخلود إلى النوم.

كما يعد العلاج السلوكي المعرفي للأرق من الوسائل الفعالة في هذا المجال، إذ يساعد على إزالة الارتباط بين السرير والقلق، وإعادة بناء علاقة أكثر هدوءًا بين وقت النوم والشعور بالراحة.

وتؤكد سبير أن النشاط البدني والالتزام بروتين يومي منتظم يمكن أن يساهما في تهدئة استجابة التوتر وتقليل حالة التأهب التي تبقي الدماغ في حالة يقظة.

وفي النهاية، فإن الاستيقاظ أثناء الليل قد يكون نتيجة مباشرة لصراع بين عقل تطور لحماية الإنسان من المخاطر، وواقع حديث لا يتوقف عن إرسال إشارات الضغط والتوتر. فالدماغ لا يختار السهر عبثًا، بل يواصل البحث عن حلول وتوقع الاحتمالات إلى أن يشعر بأن البيئة المحيطة أصبحت آمنة بما يكفي للسماح بالراحة.

تسلط هذه التفسيرات الضوء على أهمية معالجة التوتر كعامل أساسي لتحسين جودة النوم. كما تؤكد على دور التكنولوجيا في تفاقم المشكلة، مما يستدعي وضع حدود واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم. ويبقى تعديل نمط الحياة والعلاج السلوكي المعرفي من أبرز الحلول غير الدوائية الفعالة.